في الذكرى الستين للنكبة
نهاية البداية .......أم بداية النهاية؟


بعد ستين سنة من نكبة فلسطين، وما تلاها من نكبات ألم يحن الوقت لنتوقف عن البكاء والنحيب 
ونفيق من غفلتنا وندرك أن البكاء والنواح لن يغير من واقعنا ولن يعوض ما فاتنا ولن يسترجع ما سلب منا. علينا أن ندرك أننا قد أقبلنا على عصر ليس فيه مكان للضعفاء والواهنين والمستسلمين، عصر يدوس فيه الأقوياء بأقدامهم علي كل القيم والأعراف والقوانين الدولية. علينا أن ندرك أن العزة والكرامة لا تستجدى من أللأقوياء والمستكبرين، ونهضة الأمم ليست معونة تمن بها الأمم المتقدمة على الأمم المتخلفة النائمة. فإما أن نستمر في النحيب والعويل ونستسلم لظلام التخلف وذل التبعية ونترك عصمتنا في أيدي أعدائنا ونرضى بأن نترك لأبنائنا مستقبل عسير ومكان ذليل،.....
وإما أن نجعل الذكرى الستين لنكبتنا هي بداية صحوتنا ونفيق من غفلتنا ونجند إمكانيات الأمة الموجودة بين أيديها الآن لمواجهة الكيان الصهيوني بأسلحة العصر وتكنولوجيات العصر.

وموضوعنا اليوم هو أهم وأقوى سلاح في هذا العصر، سلاح وسائل الإعلام والبث المباشر. وقد حان الوقت لنجند هذا السلاح الخطير ليلعب دورا إيجابيا وفعالا لخلخلة وتحطيم الكيان الصهيوني كما حدث في انهيار الاتحاد السوفيتي بدون طلقة واحدة.

وعلينا أن ندرك خطورة الوضع الإعلامي العبري المغلق في إسرائيل الذي يغذي الكراهية والعنف في الشباب الإسرائيلي والذي انعكس على الفوز الكاسح المستمر للأحزاب المتطرفة في الكنيست الإسرائيلي، واستدلالات استطلاع الرأي العام في إسرائيل التي تؤيد العمليات الدموية التي تقوم بها إسرائيل في غزة وفي الأراضي المحتلة. وكلها مؤشرات تنذر بعواقب وخيمة إذ لم نجند لها الإمكانيات لاختراق الإعلام العبري.

فوسائل الإعلام الموجه في العصر الحديث من أهم آليات الحرب النفسية لتفكيك المجتمع المعادي وإشعال الصراعات الداخلية، والتشكيك في قدراته ومستقبله وبث روح اليأس بين أبنائه. ومن ناحية أخرى فهي تفتح باب الحوار وتساعد على كسب الأصدقاء واستقطاب الآراء المعتدلة وتقريب وجهات النظر لتحقيق الأهداف السياسية المطلوبة.

وقد أنشأت أول محطة إذاعة مصرية موجهة بالعبرية إلى إسرائيل في عام 1954، ولعبت دوراً فعالاً خلال مراحل الصراع العربي-الإسرائيلي. وكان لها دورا فعالا طوال تلك المراحل وحتى حرب أكتوبر 1973 .

أما بعد توقيع اتفاقية كامب ديفد بين مصر وإسرائيل، فقد اختلف الحال وضاعت الرؤية الإستراتيجية لهذا البث من قبل القيادة ومن قبل القائمين على الإعلام المصري، وتقلصت إمكانيات هذه المحطة الإذاعية وضعف إرسالها وانخفضت ساعات إرسالها مما أدى إلى اختفاء تأثيرها. وكان من الضروري بعد استبدال الحرب العسكرية بالحرب الباردة وتوقيع اتفاقية كامب ديفد أن يزداد اهتمام الجانب المصري بالسلاح الإعلامي لدعم الحرب النفسية في مواجهة الند القوي والمتميز في ذلك.
وفي شهر مارس عام 2000 انشأ حزب الله أول بث عبري من خلال قناة المنار اللبنانية. وفي بداية عام 2002، تم افتتاح قناة البث المباشر التلفزيونية المصرية باللغة العبرية، وفي نفس العام وبعد افتتاح القناة المصرية بعدة شهور افتتحت سوريا قناة أيضا للبث المباشر، وفي يونيو من نفس العام بدأت وزارة الإعلام الإيرانية ببثها العبري المعروف باسم "صوت داود". إلا أن بعد أكثر من 6 سنوات ما زال البث في بعض هذه القنوات لا يتعدى ساعتان شكلا دون مضمونا. والحقيقة المريرة أن هذه القنوات ليس لديها إمكانيات مادية وبشرية وفنية تتناسب مع المهمة الإستراتيجية الخطيرة الملقاة على عاتقها. وعلينا أن ندرك أن إعداد هذه الأسلحة لا تقل أهمية عن تجهيز الجيوش النظامية وأنها قد تكون أكثر فاعلية في مساحتها وعمق تأثيرها من أسلحة الدمار الشامل التي لا نملكها وإذا امتلكناها فلا يمكن استعمالها.

فالقضية الفلسطينية أحوج ما تكون الآن إلى قناة بث عبرية موجهة 24 ساعة إلى الكيان الصهيوني مع إستراتيجية واضحة وخطة مدروسة وبرنامج إعلامي جيد وإمكانيات تنافس وتتفوق بها على وسائل الإعلام الإسرائيلية. والعالم العربي اليوم بما لديه من إمكانيات مادية ضخمة أنعمها الله عليه من فائض البترول، وبما توفر لديه من خبرات إعلامية عالمية مثل قناة الجزيرة وغيرها يستطيع بناء هذا السلاح الخطير بجهود عربية ذاتية وبقدر قليل مما يدفعه العالم العربي إتاوات لدول كبرى.
وكفانا إثما وخذلانا أننا لم نوظف هذا السلاح الهام بصورة فعالة لمساندة إخواننا الفلسطينيين طوال فترة الانتفاضة ونحن نشهد كالخرساء الظلم والمعاناة المستمرة في الأراضي المحتلة و الحصار الظالم على إخواننا في غزة.

تحليل لبعض نقاط الضعف في الكيان الصهيوني

وقبل أن نعرض بعض المرتكزات الاستراتيجية في تفعيل قناة البث المباشر في الحرب النفسية وفي تحقيق أهدافها السياسية، من المهم أن نتفهم بنيان المجتمع الإسرائيلي ونتعرف على نقاط ضعفه ونحدد أماكن الشروخ والتصدعات في الكيان الصهيوني.
يتكون المجتمع الإسرائيلي من شتات اليهود الذين قدموا من أكثر من مائة دولة، مما يشكل تحدياً كبيراً في المجتمع الإسرائيلي للتوفيق والدمج بين هذه الفئات بتعدد لغاتها وعاداتها وممارستها للديانة اليهودية. ويمثل اليهود 80% من تعداد إسرائيل، أما البقية فمن العرب الفلسطينيين الأصليين. وبصفة عامة ينقسم المجتمع الإسرائيلي إلى ثلاثة عناصر رئيسية: الأول يسمى اليهود الأشكناز (40%)، وهم اليهود المنحدرون من أصول غربية وأكثرهم ليسو ساميين وهم عصب الحركة الصهيونية، وهذه المجموعة تتحكم في مقاليد الأمور داخل المجتمع الإسرائيلي في كافة النواحي السياسية، والاقتصادية، والثقافية، رغم أنهم لا يمثلون الأكثرية الساحقة داخل المجتمع الإسرائيلي. أما العنصر الثاني فيسمى اليهود السفاراديم، وهم سلالة اليهود الذين طردوا من أسبانيا والبرتغال مع سقوط الأندلس سنة 1492م. العنصر الثالث يُمثل اليهود الميزراحيم، وهم اليهود المنحدرون من أصول شرقية ( من أسيا وأفريقيا ويندرج اليهود العرب تحت هذه المجموعة).
ويعاني اليهود غير الأشكناز من التمييز الطائفي القائم على أسس عنصرية واضحة، بالإضافة إلى الهوة الواسعة بينهم وبين الطائفة الإشكنازية الحاكمة في إسرائيل في كافة المجالات. فعلى سبيل المثال يزيد دخل الفرد الأشكنازي 36% عن مثيله من الميزراح.

ويوجد في إسرائيل ما يقرب من 12 حزباً سياسياً لها مقاعد في الكنيست وعشرات أخرى ليس لها مقاعد في الكنيست يمثلون التعددية العرقية والثقافية والتباين والتناقض في تصورات الطوائف الإسرائيلية لمفهوم المجتمع الإسرائيلي والدولة الإسرائيلية. ومن وأبرز هذه الأحزاب: كاديما والعمل والليكود وحزب الشعس الديني الاشتراكي وحزب إسرائيل بيتنا اليميني المتطرف وأحزاب دينية متطرفة أخري وأحزاب عربية ضعيفة. وقد شهدت السنوات العشر الماضية تدني واضح في معاملة المهاجرين الجدد وخاصةً المهاجرين الروس، حيث تبين الإحصائيات تمييز واضح في المرتبات والفرص الوظيفية بالرغم من كفاءاتهم العالية ومستويات التعليم المرتفعة، الأمر الذي دفع الكثير منهم إلى احتراف الرذيلة والإجرام أو الهجرة من إسرائيل.

المرتكزات الإستراتيجية قي تفعيل دور البث المباشر العبري

وفيما يلي بعض المرتكزات الإستراتيجية قي تفعيل دور البث المباشر العبري لتحقيق أهدافه السياسية المطلوبة:
1) إظهار التناقض السائد والخلافات وحالة الفُرقة والتمييز العنصري والفجوة الاقتصادية بين اليهود الشرقيين واليهود الاشكناز في المجتمع الإسرائيلي.

2) إبراز أن العداء والكراهية والعقلية الدموية التي تسود السياسة الإسرائيلية إنما جاءت أساسا مع المهاجرين الأشكناز بما يحملونه من رواسب الاضطهاد في أوروبا طوال القرون الماضية. بينما على العكس تماما فقد تمتع اليهود السفرديم الذين نزحوا من اسبانيا بعد سقوط الأندلس باستضافة البلاد الإسلامية لهم، أما اليهود العرب فقد استمتعوا بحسن الجوار وحقوق المواطنة منذ فجر التاريخ حتى قيام إسرائيل.

3) إبراز الفرق بين اليهودية والصهيونية وأن فكرة الصهيونية واتخاذ وطن قومي بالقوة في فلسطين لا يتفق مع الديانة اليهودية. والاستعانة بالحاخامات والناشطين اليهود من حركة "ناطوري كارتا" NETUREI KARTA وحركة اليهود ضد الصهيونية التي ترفض الدولة العبرية الحالية وتتهمها بأنها دولة عنصرية قامت على أيدي عصابات الصهيونية وليس لها علاقة باليهودية.

4) إبراز فشل نظرية الدمج الاجتماعي للمهاجرين اليهود والتي تقوم على إرغام المهاجرين على النموذج الموحد للمجتمع الإسرائيلي، مما قد سبب معاناة كبيرة نتيجة تغيير اللغة والعادات والتقاليد، وإتباع النموذج الذي فرضه الأشكناز على الغالبية اليهودية.

5) إذاعة برامج تسجيلية تاريخية عن عداء الغرب لليهود والمسلمين على حدٍ سواء وعلى مر التاريخ، والمذابح المشتركة التي تعرض لها كلا الطرفين على أيدي الغرب خلال العصور الوسطى والحروب الصليبية وسقوط الأندلس.

6) كشف النقاب عما قامت به أوروبا وخاصة انجلترا ( بدافع من الكراهية لليهود والعداء التاريخي للعرب) من تشجيع للحركة الصهيونية على إقامة الدولة اليهودية في فلسطين، لمجرد التخلص من يهود أوروبا واستقطاب اليهود والعرب إلى نزاعات وحروب دموية طويلة تهلك أبناء المسلمين واليهود وتستنزف ثرواتهم. من المهم التذكير بحلم تيودور هرزل ( مؤسس الحركة الصهيونية) والخاص بإقامة الدولة اليهودية في أي مكان في العالم واقتراحه بالأخص الأرجنتين، أو فلسطين كخيار ثانوي إذا أمكن "سلمياً" بإقناع السلطان التركي بالسماح لهم بالاستيطان بها مقابل مساعدات مالية سخية للدولة العثمانية.

7) الكشف عن واقع الفجوة الهائلة بين الأغنياء والفقراء في المجتمع اليهودي.

8) توضيح معاناة اليهود المهاجرين من روسيا، على الرغم من كفاءاتهم العالية، من التمييز في المرتبات وقلة الفرص الوظيفية على يد المهاجرين الأشكناز.

9) إلقاء الضوء على ما انحدر إليه اليهود الأثيوبيين في إسرائيل بعد انتهاء الضجة الإعلامية اليهودية أثناء عملية التهجير.

10) إظهار التناقض الشديد بين الأحزاب السياسية الإسرائيلية حول مفهوم ورؤية الدولة الإسرائيلية والذي يعكس التخبط واليأس في تحقيق الحلم الإسرائيلي المنشود.

11) التشكيك في السياسة الداخلية والاقتصادية لإسرائيل من خلال نشر تحقيقات وتحليلات إخبارية تبرز الآثار الجانبية لتلك السياسات على التوازن الاجتماعي داخل إسرائيل.

12) إعطاء أمثلة لنجاح الإسرائيليين الذين تركوا إسرائيل فوجدوا حياة أفضل ومعيشة آمنة خارج إسرائيل.

13) توضيح المكاسب الاقتصادية المتوقعة لرجال الأعمال اليهود، وخاصة الشرقيين منهم، فيما يتعلق بفرص الاستثمارات الواسعة لهم في العالم العربي، في حالة وجود سلام دائم مع العرب وترك الأراضي المحتلة ونزع أسلحة الدمار الشامل.

14) إذاعة البرامج التسجيلية التاريخية عن العصور الذهبية لليهود خلال العصور الإسلامية، والحرية التي كانوا يتمتعون بها في البلاد الإسلامية والعربية قبل إنشاء دولة إسرائيل.

15) عرض برامج تاريخية وثائقية عن تاريخ العائلات اليهودية في البلاد العربية والإسلامية وما كانوا يتمتعون به من حرية التجارة وممارسة شعائرهم الدينية حتى إنشاء الدولة اليهودية في فلسطين.

16) إبراز معاناة الشارع الإسرائيلي نتيجة فشل سياسة العنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، وتوضيح الآثار السلبية لهذه السياسة على الاستقرار والاقتصاد الإسرائيلي ، وما نتج عنه من انتشار اليأس وتبخر أحلام المهاجر الإسرائيلي في أرض الميعاد حيث السلام والرخاء الموعودان.

17) تعريف الشعب الإسرائيلي بثقافة الشعوب العربية من خلال التمثيليات والأفلام والحلقات التلفزيونية المترجمة مما يذيب حاجز الكراهية والحقد الذي نشأ عليه الجيل الجديد من الإسرائليين في إطار نظامهم التعليمي والديني والإعلامي المغلق.

18) إظهار دور السياسة العدائية والقمعية المتواصلة يومياً على الشعب الفلسطيني الأعزل فى إشعال نار الكراهية ضد الشعب الإسرائيلي لدى الأمة العربية والإسلامية مما يؤصل لفكرة أن الكيان الصهيوني نشاز في محيط الوطن العربي وسيتم لفظه عاجلا أو آجلا، ، وخاصة مع انتشار ثقافة الجهاد والاستشهاد في الجيل الجديد مما ينذر بمستقبل مظلم للأجيال الإسرائيلية القادمة.

إن القناة العبرية خاصة والقنوات الموجهة عامة هي من أهم أسلحة العصر الحديث. وإذا وفرنا لها إمكانيات بما يعادل ثمن طائرة مقاتلة واحدة أو حتى ثمن دبابة واحدة سنويا فسيمكنها تحقيق أهداف سياسية يصعب تحقيقها بجيش كامل كما حدث في تجربة انهيار الاتحاد السوفيتي سابقاً. وعلينا أن ندرك أن الحرب الباردة لن تنتهي مادامت هناك أصوات في إسرائيل تنادي بدولة من النيل للفرات، كما أن حلقات الصراع لن تنتهي مادامت تحرص على تفوقها العسكري وامتلاكها لأسلحة الدمار الشامل. إن أمتنا لا ينقصها موارد مادية أو بشرية لكي تنهض من ثبات التخلف و تنطلق لتسترد مكانتها بين الأمم، إنما كل ما ينقصنا حقا هو إيمان بالله والعزيمة القوية، ثم التخطيط والعمل.


د.مصطفي الشافعي
Cairo21@gmail.com