الطريق إلى القدس

 د. مصطفى الشافعي

Cairo21@gmail.com

 إن ما يجري في عالَمِنا العربي والإسلامي من أحداث جسام، وما يمتلئ به واقعنا المعاصر من نكسات، إنما ينذر جليا بأننا نعيش عصرا ليس فيه مكانا للضعفاء والواهنين، ليس فيه مكانا للمستكينين والمستسلمين، عصر يدوس فيه الأقوياء بأقدامهم على  كل القيم والأعراف والقوانين.

 أيها الإخوة و الأخوات ...إن ما حدث لإخواننا في غزة ليس نتيجة التفوق المادي الإسرائيلي أو الهيمنة و الشراسة الإسرائيلي، فالتسلط الإسرائيلي هو نتيجة تلقائية للضعف والعجز والتخلف الذي أصاب أمتنا.

إن المشاكل والأمراض الحقيقية هي:

 أولا: هي السلبية واللامبالاة التي أصابت الغالبية من شعبنا، فصار الجمود والتخلف والفساد سرطان يدمر مظاهر الحياة في بلدنا المنكوب. فتتابعت النكبات الداخلية واللطمات واللكمات من الخارج علينا وعلى أمتنا العربية، ولا ندري متى تأتي ولماذا أتت ولا نملك حماية أنفسنا منه. والله الخالق والقادر يقول:"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، الرعد 11.

ثانيا : طاعة وإتباع الشعوب العربية لحكام بين العاجز والفاسد والخائن والسفيه.

ثالثا: جمود فكر القيادة السياسية في أكبر دولة عربية،..  في مصر وغياب الرؤية المستقبلية وعدم القدرة على التفكير الاستراتيجي، وعجز القيادة على الاستفادة من ثروتنا المادية والبشرية الهائلة وفشلها في تفجير طاقات العطاء والإبداع المكنونة في أبنائها،  ويضاف إلى ذلك تبعية النظام الحاكم العمياء لأعدائنا حتى  وصلت إلى أقصى درجات الخيانة العظمة.

 وبالرغم من الأثر العظيمً للتظاهرات ومظاهر الغضب التي عمّت العالم الإسلامي، وغيره، على رفع معنويات المقاوِمة الصامدة في غزة، ولكنها لن تغير من واقعنا ولن توقف الهجمات الشرسة على أمتنا. إن الحرب الشرسة على غزة لابد أن تكون نقطة تحول في حياتنا، وطاقة الغضب الشعبي لابد أن تتجه إلى تغيير واقعنا وتصحيح مسيرتنا، لنصحو من غفوتنا وننهض من كبوتنا.

 لقد أثبتت تجارب الشعوب، وهى مازالت تؤكد كل يوم، أن الصحوة الشعبية وإرادة التغيير هي الطريق الوحيد الذي نستطيع أن نعبر عليه من الماضي إلى المستقبل، وأن  نتخلص من الأغلال التي كبلتنا، ومن الرواسب التي أثقلت كاهلنا؛ والتغيير هو الوسيلة الوحيدة لمغالبة الفقر والتخلف وذل التبعية الذي أرغمت عليه أمتنا؛ كنتيجة طبيعية للقهر والاستبداد.

 علينا أن ندرك أن عزة الشعوب لا تأتي بالتبعية للأقوياء، وكرامة الأمم لا تستجدى من المستكبرين، و نهضة الأمم ليست سلعة تستورد، والتنمية ليست معونة تمن بها الأمم المتقدمة على الأمم المتخلفة النائمة.

 إن العالم العربي والعالم الإسلامي يتطلعان إلى مصر لكي تسترد دورها التاريخي وتقود النهضة والتغيير في المنطقة لإعادة الاتزان إلى المنطقة وإعادة العزة والكرامة إلى شعوبها.

 وكان الشعب المصري قد تحمل ببسالة منقطعة النظير مسؤولية المنطقة كلها. كان قد تحمل المسؤولية المادية والعسكرية في صد أولى موجات الاحتلال الأوروبي التي جاءت مستترة تحت شعار الدين متمسحين بالصليب والمسيح علية السلام وهي أبعد ما تكون عن هذا الرسول والمعلم العظيم. وكانت قد تحملت المسؤولية المادية والعسكرية في رد جحافل المغول والتتار الذين اجتاحوا سهول الشرق حاملين معهم الخراب والدمار. وتحمل الشعب المصري المسؤولية التاريخية في حفظ التراث العربي والإسلامي وكان حصنا للمقاومة ضد عوامل الضعف و التفكك.

لقد بدا واضحا جليا أن النظام الحاكم في مصر ليس لديه حلول لمشاكل الفقر والتخلف التي أنهكت شعبنا وأنه عاجز عن التخطيط ولا يجيد إلا استعمال المسكنات والتصريحات المخدرة، ويصر على البقاء في الحكم رغم الفشل المزمن ويتعامى عما يلحقه يوما بعد يوم بهذا الشعب الصابر وألأجيال القادمة من أذى وأضرار، ولا يتورع عن فعل أي شيء للبقاء في الحكم.   وفوق ذلك كله أنه ثبت جليا بموقفه وإصراره على حصار غزة وبما لا يدعوا مجالا للشك أن تبعيته لأعداء أمتنا قد وصلت إلى مرحلة الخيانة العظمة لشعبه في مصر ولأمته العربية، بل وخيانته لله ورسوله بكل علم وإصرار.

علينا أن ندرك أن وسائل العمل التقليدية لم تعد قادرة على أن تطوى مسافة التخلف الذي طال مداه بين أمتنا وبين غيرها من الأمم المتقدمة، ولابد والأمر كذلك من مواجهة جذرية للأمور؛ ودماء جديدة وقيادة جديدة تكفل تعبئة جميع الطاقات المعنوية والمادية للأمة لتحمل هذه المسئولية التاريخية الخطيرة.

إن حركة التغيير والنهضة هي عمل شعبي بالشعب ومن أجل الشعب،   فلا بد لشعبنا ألأبي العريق أن يستجمع قواه ليحطم قيود الذل والاستبداد، ... يستجمع قواه ويقوم باقتحام عنيد لكل العوائق والموانع التي تعترض طريقه إلى العزة والكرامة....يستجمع قواه ليسقط رموز الاستبداد، ويحطم أصنام التبعية،  ويمحو عار الخيانة.

أيها ألأخوة والأخوات ...علينا أن نعي تماما أن الشعب الذي لا ينتج ما يأكل، و لا يصنع ما يلبس، و لا يستطيع أن يدافع عن نفسه، ويترك عصمته في يد عدوه، ليس له مكان إلا في ظلومات الفقر و الخوف و الذل و الهوان.

إن حركة النهضة وإرادة التغيير هي الوسيلة الوحيدة التي تستطيع بها أمتنا أن تستجمع كل طاقاتها لتقوم بقفزة عبر مسافة التخلف الاقتصادي والاجتماعي؛ تعويضاً لما فات، ووصولاً إلى الآمال الكبرى التي نريدها للأجيال القادمة، مجتازاً المسافة الشاسعة من التخلف والجمود والاستبداد إلى مرحلة النهضة الشاملة.

إن مسؤولية الصحوة الشعبية والتغيير تتطلب بالضرورة من كل مواطن أن تصبح همه وهدفه يعيش لها ويجند نفسه لها، ويتفاعل معها ويخلص لها، يتحدث عنها ويناضل  ويضحي من أجلها بكل إصرار ومثابرة.

إن التغيير المطلوب لا يمكن أن يحدث إلا إذا أصبح كل فرد جنديا له يعمل له ويدعو له  ولا يرضي بديلا له.  فعلينا جميعا أن نتخلص من حالة السلبية والجمود ونشارك في منظومة الحركة الشعبية، نشارك فيها ونعزها ونعتز بها،  فتعلوا بنا ونعلوا بها. 

 إنها قضية مصيرية ومسئولية أمام الله عز وجل...إنها قضية وجود أمة واستمرارها.