رسالة إلى أقباطنا
 
د.مصطفى الشافعي
 

رسالتنا اليوم إلى إخوة الوطن.. أقباط مصر....جيراننا الأعزاء وزملائنا في العمل وأصدقائنا في المدارس والجامعات. أيها الأخوة والأخوات شاء الله أن يربطنا معا بحب مصر و أن يجمعنا معا  على أرضها...أرض الكنانة أم الدنيا،  وأن نشارك بعضنا في الخير والمسرات وأن تجمعنا الكوارث و الأزمات. فالهواء الملوث ومطبات الطريق لا تفرق بين مسلم و مسيحي، وانخفاض الجنيه و تدهور مستوى المعيشة لم يسلم منه مسلم ولا مسيحي، والجمود السياسي وتسلط أمن الدولة وانتهاكات حقوق الإنسان أهدرت كرامة المسلم قبل المسيحي، وتدهور الرعاية الصحية وتفشي الأمراض من ضغط الدم والفشل الكلوي والسرطان لا تميز بين مرقص ومحمد،  هذه هي حقا  مشاكلنا الحقيقية وأعدائنا الحقيقيون وعلينا أن نتعاون ونتكاتف معا لمواجهتها.

   فالقضية حقيقة هي قضية نظام استبدادي لا يعرف إلا ملة حزبية واحدة ومن اعتنق غير ملته بدين أو حزب سياسي فمصيره الاضطهاد والسجون،  ولا يتورع عن فعل أي شيء للبقاء في الحكم.  فمن المريب والغريب أن هناك تزامن واضح بين الأحداث الطائفية التي شهدها العقدان الماضيان ومطالبة الشعب بزيادة مساحة الحريات. فكلما تعالت ألأصوات والصرخات التي تطالب بإلغاء قانون الطوارئ، تحدث فجأة فتنة طائفية مفتعلة، وتجد السلطة الحجة المقحمة لمد العمل بقانون الطوارئ لفترات أخرى. 

    وما يدور من قيل وقال على صفحات الجرائد والمؤتمرات والاجتماعات المشبوهة والردود الاستفزازية المتبادلة أنما هي في الحقيقة صورة من صور التخبط والعشوائية التي أهدرت طاقاتنا، فنحن نعيش في ظلم وظلام من أحلك الفترات في تاريخ بلدنا الصابر، فضاقت الصدور وبلغت القلوب الحناجر....فهو ظلام من تحته ظلام ومن فوقه ظلام فلا ندري إلى أين نسير ونتخبط فيه ببعضنا،  ونتصادم حتى مع أقرب الناس إلينا، وتأتينا اللطمات واللكمات والنكبات متواليات ولا ندري من أين تأتي ولماذا تأتي  ومتى تأتي. إنه أيها الأخوة ظلام الظلم والاستبداد والتخلف و الفقر.

  فأم الكوارث هي فشل النظام الحالي في صياغة رؤية مستقبلية وتحديد هدفً قومي سامي نسعى لتحقيقه.  فالهدف القومي هو الذي يشكل منظومة الدولة والأمة بأكملها لتحقيقه ومن أجله تعلو مصلحة الجماعة في النفوس على المصالح الشخصية، وتؤثر الجماعات مصلحة الأمة على مصالحها، وتتعانق الآمال وتتواتر الأحلام وتلتقي المصالح، ويفجر ينابيع العطاء والطاقات المكنونة في أبناء هذه الأمة. وبدون وجود الهدف ووضوحه على مستوى الفرد والجماعة والمؤسسات المختلفة تصبح حركة المجتمع عشوائية متضاربة الاتجاهات والأهواء.

 

   وعلينا أن ندرك أن العلاقات الدولية يحكمها أولا المصالح والطموحات. والحقيقة لو أن المنطقة بأكملها كانت تحت لواء الكنيسة ما تغيرت مخططات تقسيم المنطقة واحتلالها لتأمين مصادر البترول. ولرأينا الفتن الطائفية تحاك بين الأقباط والبروتستانت و بين البروتستانت و الكاثوليك، ثم مرة أخرى بين المحافظين والمجددين. ومثال على ذلك الحرب العالمية الثانية التي راح ضحيتها قرابة 40 مليون حركتها المصالح والطموحات وليس العقائد والملل. والمشاكل والمؤامرات المستمرة لدول في أمريكا اللاتينية هي أساسا لتأمين مصادر المواد خام للشركات الأمريكية.

   فعلينا جميعا أن نلتف معا ونتكاتف لإحداث الصحوة والتغيير لبناء مستقبل مشرق يكون فيه كل فرد آمن على نفسه وأهله وأمواله وله دخل يحفظ به كرامته ومتمتعا برعاية صحية كريمة ويمارس دينه ويحافظ على بيئته ويستغل مواهبه وطاقاته لخدمة بلده.

ولابد للمنصف أن يدرك أن هذا الجوار الديني أضاف تنوعا إيجابيا إلى المجتمع المصري و جعله أكثر ثراء ثقافيا وتسامحا وانفتاحا،  وساهم المواطنون الأقباط في عمل جسور تواصل وقنوات اتصال اقتصادية  وثقافية مع البلاد المتقدمة وهي أمور ذات أهمية متزايدة في العالم اليوم.

   وعلى مر العصور لم تشهد علاقات الجوار توترا إلا في الفترات المظلمة التي ساد فيها الاستبداد والظلم وتفشى فيها الجهل بالدين والدنيا على السواء، أو أثناء الفترات التي حاول فيها الاستعمار التغلغل لتفتيت تماسك مجتمعنا. وفي ظل هذه الظروف المظلمة يكثر التخبط ويحكم فيها بالانفعالية  وتتهم فيها العقلانية، و ينظر للأمور بسطحيتها وتعمى الأبصار عن شموليتها.

    فعندما غزا نابليون مصر عام 1797 شارك المعلم يعقوب حنا الجيش الفرنسي في بسط النفوذ الاستعماري على مصر وفي إخماد ثوراتها وإجهاض انتفاضاتها، ولكن سرعان ما  نبذته الكنيسة القبطية وحكم عليه التاريخ باللعنة.

ويقول اللورد كرومر المعتمد البريطاني في مصر أثناء الاحتلال البريطاني لما يأس من استمالة أقباط مصر لمساعدته في بسط النفوذ البريطاني انه لم يستطع التمييز بين قبطي ومسلم سوى أن احدهما يصلي في المسجد والآخر يصلي في الكنيسة.

وضرب التلاحم الوطني في ثورة 1919 التي أدت إلى استقلال مصر عن انجلترا  أروع الأمثلة لجذور الترابط الوطني بين أقباط مصر ومسلميها.

    ومن المنصف أيضا أن نذكر هنا بعض من المواقف المشرفة للبابا شنودة التي تدل على وطنيته الصافية منها مثلا موقفه في مسائل التطبيع مع إسرائيل، وتأييده لياسر عرفات أثناء حصار إسرائيل له، و هو أول من أقام الموائد الرمضانية في الكاتدرائية بالعباسية مشاركة وجدانية منه للمسلمين، ورفضه اعتبار الأقباط أقلية ورفضه للتدخل الخارجي أيمانا منه بالأخوة التي تجمع كل المصريين،  وموقفه تجاه الدعايات المضللة التي يتاجر بها قلة مضللة من أقباط المهجر بغرض الابتزاز السياسي.

   ويجب أيضا أن نتذكر دائما الوحدة الوطنية النادرة عندما حدثت نكسة 1967 ومساهمات الأقباط في تحقيق النصر الكبير عام 1973، عندما كان هناك هدف قومي سامي التف حوله كل الشعب المصري.  فنذكر البطل اللواء مهندس أركان حرب: باقي زكي يوسف ومساهمته في تدمير خط بارليف، والفريق: فؤاد عزيز قائد الجيش الثاني الميداني الذي كان له دورا أساسيا في عبور قناة السويس و تدمير حصون خط بارليف وتحرير القنطرة شرق. واللواء / فريد عزت، واللواء / ثابت اقلاديوس ، واللواء / رياض تاضروس اللذين كانت لهم بصماتهم المميزة في معركة الشرف والكرامة. واستشهد الآلاف منهم في سبيل وطننا الحبيب، وامتزجت دماؤهم مع دماء إخوانهم المسلمين  في ساحة المعركة دفاعاً عن مصرنا الحبيبة.

    فالدين بيننا منذ مئات السنين لم يفرقنا أبدا. والتماسك بالقيم الدينية لم يكن أبدا سببا في توتر علاقات الجوار بيننا.  فعلى  العكس تماما،  كلما ازددنا تمسكن بالقيم والأخلاق الدينية كلما ازداد التنافس بيننا لإظهار روح التسامح واحترام المشاعر وأخلاقيات التعامل السامية وإكرام الجار وحقوق الجوار التي دعت إليها كل الرسالات السماوية.

 

وقد بني الإسلام على قاعدة أساسية وهي "لا إكراه في الدين" والتسامح الديني والعدل بين جميع الناس، فالتسامح الديني من السمات الأساسية للحضارة الإسلامية ومن أسس التشريع الإسلامي. والحقيقة أن العصور الذهبية لغير المسلمين في الدول الإسلامية تزامنت مع العصور الذهبية للحضارة الإسلامية. ولم تشهد الحضارة الإسلامية مذابح التطهير الديني مثل التي حدثت في فترات التعصب الديني في أوروبا مثلما حدث في الأندلس ضد المسلمين واليهود على السواء ومحاكم التفتيش الذي اشتهر به هذا العصر في التاريخ الأوربي، والاضطهاد الديني لليهود في أوربا وروسيا، و مذابح الهنود الحمر في أمريكا ومذابح السكان الأصليين في أمريكا اللاتينية على يد الأسبان، وحديثا المذابح التي جرت للمسلمين في البوسنيا عل يد الصربيين الأرثوذكس.

وقد تضمن التقرير السنوي لمجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية "كير" الصادر في عام 2007 إحصائيات مثل تزايد حالات التمييز ضد المسلمين بنسبة 25% عن العام السابق وحالات جرائم الكراهية التي تشمل الاعتداء على الأفراد والمساجد زادت أيضا بنسبة  9% عن العام السبق، منها 221 حالة اعتداء على مسجد أو مركز إسلامي. وخلال إقامتي في أمريكا وكندا تعرض منزلي شخصيا بالرمي بالبيض الفاسد بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتعرضت الجالية المسلمة لاعتراض مستميت من قبل السكان في المنطقة على مشروع لتوسيع مسجد قائم لتحويله إلى مركز اجتماعي للجالية المسلمة.

وبينما لاقى الأقباط في مصر كل أنواع الظلم والتنكيل على يد الإمبراطورية الرومانية قبل الفتح الإسلامي حتى عرفت هذه الحقبة في التاريخ المسيحي بعصر الشهداء، عندما جاء الفتح ألإسلامي شهد القرن ألأول والثاني الهجري اكبر حركة تشييد كنائس في تاريخ مصر. فأعيد بناء الكنائس التي دمرت خلال العصر الروماني وأنشئت كنائس مازالت شاهدة على عظمة الحضارة التي أنشئت فيها. منها مثلا كنيسة مار جرجس في القاهرة التي بنيت عام 64 هجريا 684 م والكنيسة المعلقة التي أنشئت في القرن السابع الميلادي. ودير البنات وهو يعود إلى القرن السابع أو الثامن الميلادي وكنيسة السيدة برباره وقد بنيت في القرن السابع الميلادي في عهد عبد العزيز ابن مروان. وكنيسة مارمينا التي أعيد بنائها في القرن الثامن الميلادي وتم توسيعها في القرن الثاني عشر وكنيسة مارمرقص  بالإسكندرية ما بين (39 - 56 هـ) .كما بُنِيت أول كنيسة بالفسطاط في حارة الروم في ولاية مسلمة بن مخلد على مصر بين عامي (47 - 68 هـ )، وبنيت أول كنيسة بحلوان في عهد  عبد العزيز بن مروان وغيرهم مما لا يتسع المقام لحصرهم. وقد ذكر المؤرخ المقريزي الذي عاش في القرن الثامن الهجري أن جميع كنائس القاهرة محدَثة في الإسلام.

فتعالوا أيها الأخوة نراجع سويا مواقفنا وحصيلتنا، ونتعرف بصدق على واقعنا المرير وسبل الخروج من ظلم الاستبداد وعار التخلف ودوامة الفقر،  وندرك أبعاد التحدي الحضاري الذي يواجهنا وفداحة المسؤولية الوطنية التي على عاتقنا، فالفجوة التكنولوجية شاسعة والفجوة الاقتصادية رهيبة وتزداد اتساعا مع كل دقة ساعة ونبضة قلب في هذا العصر السريع الخطوات.

    فعلينا أن ندرك ضرورة التغيير وحتمية النهضة الشاملة. فتعالوا أيها الأخوة جميعا أبناء وطننا الحبيب نتكاتف ونتعاون ونعبئ طاقتنا الفكرية والمادية والروحية لإحداث النهضة والتغيير ثم لبناء المستقبل المنشود.  فنستنفر الهمم ونشمر عن السواعد ونعبئ كل الطاقات لمواجهة هذا التحدي الحضاري الخطير. علينا أن ندرك أن العزة والكرامة لا تستجدى من المستكبرين، ونهضة الأمم لن تمن بها الأمم المتقدمة على الأمم المتخلفة النائمة . إما أن نستعين بالله ونقبل التحدي ونخوض معركة التخلف كما حملت هذه الأمة مسؤوليتها التاريخية وخاضت معركة العزة و الكرامة سنة 1973 حين كانت الوحدة الوطنية في هذا الوقت هي الحصن المنيع الذي حمى شعبنا في عمق بلدنا وفي جبهات القتال،  وإما أن نترك بلدنا والأجيال القادمة في ريح عاصف وبحر لجي من فوقه ظلام ومن تحته ظلام.