اللقاء الأول

 

ضرورة الصحوة والتغيير

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

 

أيها الأخوة والأخوات أبناء وطننا الحبيب،       أيها الأخوة والأخوات أبناء وطننا العريق،

السلام عليكم ورحمة الله

 

يسعدني أن التقي اليوم معكم لنتحدث عن ضرورة الصحوة والتغيير ثم نرسم معا في اللقاءات القادمة بإذن الله طريقنا إلى النهضة الشاملة لنخرج من ظلمات التخلف ومصيدة الفقر.

 

 الهدف حقيقة من هذا اللقاء أن  نقف سويا  في لحظة صدق مع النفس، و نراجع سويا وبموضوعية و جدية حساباتنا وحصيلاتنا و محصلاتنا ، و نتعرف بصدق على واقعنا المتخلف و سبل الخروج من ظلام التخلف وذل التبعية ودوامة الفقر.

 

إن ما يجري في عالَمِنا العربي والإسلامي من أحداث جسام، وما يمتلئ به واقعنا المعاصر من نكسات، إنما ينذر جليا بأننا قد أقبلنا على عصر ليس فيه مكانا للضعفاء والواهنين ، ليس فيه مكانا للمستكينين والمستسلمين، عصر يدوس فيه الأقوياء بأقدامهم على  كل القيم والأعراف والقوانين.

 

 علينا أن ندرك أن العزة و الكرامة لا تستجدى من الأقوياء، و نهضة الأمم ليست سلعة تستورد،  و التنمية ليست معونة تمن بها الأمم المتقدمة على الأمم المتخلفة النائمة.

 

إن أمتنا لا ينقصها موارد بشرية ولا طبيعية لكي تنهض من ثبات التخلف و تنطلق لتسترد مكانتها بين الأمم، إنما كل ما ينقصنا حقا هو إيمان بالله والعزيمة القوية، ثم تخطيط وعمل.

 

 و إذا كان التخلف كارثة، فالكارثة الكبرى ألا ندرك إننا متخلفون، و المصيبة الكبرى أن هناك من يهلل بكل جراءة عن قفزتنا الفتية إلى القرن الواحد والعشرين بينما الحقائق و الأرقام تعكس واقع مرير و مستقبل عسير ومكان ذليل في المجتمع الدولي الجديد.

 

أيها الأخوة والأخوات إن هذا اللقاء نداء إلى كل مواطن غيور على عزة بلده، إلى كل فتاة و شاب متطلع إلى مستقبل مشرق، إلى كل أب متلهف على مصير أبنائه، إنها صرخة واستغاثة إلى كل مسئول يخشى يوما يقف فيه أمام ربه، إنها استنفار للتحرك الفوري دفاعا عن امتنا وعن وجودها و مصيرها. فالفجوة التكنولوجية شاسعة و الفجوة الاقتصادية رهيبة و تزداد اتساعا مع كل دقة ساعة و نبضة قلب في هذا العصر السريع الخطوات.

 

فتعالو أيها الأخوة  نراجع سويا حساباتنا وحصيلتنا، ونتعرف بصدق على واقعنا المرير و سبل الخروج من عار التخلف ودوامة الفقر . والغرض من هذه الوقفة مع أنفسنا  ألا نخرج منها إلى حالة من الصدمة أو الخجل، و لا يصيبنا الواقع بحالة من اليأس و اللا موبالاه، ولكن أن ندرك أبعاد التحدي وفداحة المسؤولية، و نؤمن بحتمية التغيير وضرورة النهضة الشاملة فنستنفر الهمم ونشمر عن السواعد ونعبئ كل الطاقات لمواجهة هذا التحدي الحضاري الخطير.

 

 فنحن  أمام وقفة محاسبة مخلصة مع أنفسنا ومع ضمائرنا ماذا فعلنا وأين نحن وإلى أين نسير. فنراجع بصدق ما حققناه في المحاولات السابقة، و ندرك ضخامة التحدي الحضاري الذي يواجهنا، و نستفيد من تجاربنا و أخطائنا ومن أخطاء وتجارب غيرنا من الشعوب . وندرك ضرورة التغيير وحتمية النهضة الشاملة.  ونعبئ طاقتنا الذهنية و الجسمانية و المادية والروحية لبناء هذا المستقبل المنشود.

 

 أيها الإخوة المواطنون ، ليس الغرض من هذه المراجعة  أن نوجه أصابع الاتهام إلى أحد، ولا أن نوجه اللوم و النقد لأحد .  و لكن يهمنا هنا إن نعي الأخطاء حتى لا تتكرر مرة أخرى. وربما كان الخطأ الأكبر و السبب الحقيقي في قصور المحاولات السابقة أن الاعتقاد السائد أن التنمية مسؤولية الحكومة أو وزارة بعينها، ولكن الحقيقة أن الفوز في معركة التخلف لا يأتي إلا إذا أصبح كل مواطن جندي في الخط الأول لها.

 

لقد حملت هذه المنطقة لواء الحضارة آلاف السنين ولفترات طويلة متصلة لم تشهد مثلها أي منطقة أخرى في العالم ولم يسقط منها لواء الحضارة إلا في لحظات قليلة من عمر الشعوب، غفوات قصيرة ربما لتلتقط أنفاسها و تراجع حساباتها لتستأنف المسيرة من جديد.و كانت هذه المنطقة أيضا مهدا للأديان السماوية التي أضاءت للبشرية طريقها عبر رحلة الزمان بالقيم الأخلاقية الفاضلة و القيم الروحية السامية. فنحن قادرون إنشاء الله و بعونه أن نلتقط لواء الحضارة مرة أخرى ونسترد دورنا التاريخي لقيادة البشرية حضاريا و روحيا وعلميا وخلقيا.

 

أن الشعب الذي يتطلع  لحمل لواء الحضارة و يقود البشرية لا يمكن أن يكون مطبوعا على الذل و التبعية و التقليد، و مقتول الإبداع و التفكير. إن حمل لواء الحضارة بالضرورة يعنى أن يكون الإنسان حرا قادرا على العطاء، و أن يكون قادرا على الإبداع. و الشعب الذي لا ينتج ما يأكل، و لا يصنع ما يلبس، و لا يستطيع أن يدافع عن نفسه، ويترك عصمته في يد عدوه، ليس له مكان إلا في ظلومات الفقر و الخوف و الذل و الهوان.

 

إن ما ينقصنا حقيقة ليست الاكتشافات العلمية والتكنولوجية فقط، أن ما ينقصنا هو أن نعيد اكتشاف أنفسنا وأن نفجر طاقات العطاء و الإبداع المكنونة في أبناء هذه المنطقة، ونضع قيادة جديدة بفكر جديد و مهارات جديدة و دماء متجددة.

 

إن الإدارة الناجحة ليست هي التي تأخذ على عاتقها فقط أيجاد المأكل و الملبس والمسكن للأفراد، و لكنها التي تتعدى هذا و تفجر طاقات العطاء في الأفراد و ملكات الإبداع و روح العطاء، لحل مشاكل المجتمع و إعمار الأرض.

 

 لقد بنت سواعد هذا الشعب العريق من قبل اثنين من عجائب التاريخ أهرامات الجيزة و منارة الإسكندرية. و إذا كنا قد مللنا من التغني بالمجد القديم، وجفت أعيننا من البكاء على الأطلال،  فتعالوا نسترجع الماضي القريب. فمنذ سنوات قريبة اكتشفت هذه الأمة طاقاتها حين استطاعت في 6 سنوات فقط أن تحول هزيمة ونكسة 1967 المؤلمة إلى نصر مؤزر في عام 1973, و استطاعت سواعد أبنائها وإبداع مهندسيها و إيمانها بالله أن تحطم أسطورة خط بارليف في أقل من 6 ساعات

إن معركة التخلف التكنولوجي المقبلة و تحطيم حواجز الأمية و الفقر تحتاج أيضا إلى تعبئة طاقات الأمة للمضي في هذه المعركة الضروس بسواعد 6 أكتوبر و إيمان العاشر من رمضان.

 

مؤشرات التنمية

 

إن التنمية و التقدم ليست شعارات ترفع و لا خطب رنانة و مقالات جوفاء. إنما التنمية و التقدم لهم مؤشرات وأرقام طبقا لمعايير و مقاييس. و طبقا لهذه الأرقام يصنف الاقتصاديون بلدان العالم إلى مجموعة البلدان المتقدمة ومجموعة البلدان النامية و مجموعة البلدان الفقيرة.

 

ومن أبرز المؤشرات الاقتصادية و الاجتماعية:

 (1)    الإنتاج القومي وهو القيمة الكلية للسلع والخدمات التي أنتجها المجتمع خلال سنة. والدخل القومي هو مجموع دخول المواطنين يضاف إليه صافي العائد من مجموع الاستثمارات والموارد الخارجية. وهو يساوي أيضا القيمة الكلية للسلع والخدمات التي أنتجها المجتمع.

(2)     متوسط دخل الفرد  هو الدخل القومي أو الإنتاج القومي مقسوما على عدد السكان ، الأرقام اللي جاية بعد شوية عن دخل الفرد في مصر اتحسبت ازاي؟.  شافوا الدخل القومي بالجنيه حسب الميزانية المعلنة للدولة، وقسموه على عدد السكان ثم قدروه بالدولار حسب سعر الصرف في ذلك الوقت.

(3)     معدلات الزيادة السنوية في الدخل القومي أو في دخل الفرد.

(4)     الميزان التجاري وهو الفارق بين قيمة الصادرات و الواردات.

(5)     قيمة الصادرات السنوية الكلية ومعدل النمو في التصدير، والقيمة التصديرية للأفراد (قيمة الصادرات مقسومة على عدد السكان).

(6)     توزيع المنتجات المصدرة و نسبة المنتج المحلى فيها، و القيمة المضافة في هذه المنتجات. 

(7)     الديون الخارجية و الديون الداخلية ونسبة كل منها إلى الدخل القومي.

(8)     نسبة الأمية و نسبة التعليم.

(9)     نسبة الأيدي العاملة المهرة المدربة، ونسبة المتخصصين.

(10)   نصيب الفرد من الطاقة والطرق والمواصلات.

(11)   نصيب الفرد من الرعاية الصحية، وأعداد الأطباء والممرضين، ومتوسط الأعمار ونسبة الوفيات بين الأطفال ... الخ.

 

          وهناك مؤشرات أخرى كثيرة للتنمية منشورة في إحصائيات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي و منظمات الأمم المتحدة.  ولكننا سنقوم في هذا اللقاء باستخدام بعض المؤشرات الهامة لاستعراض واقع بلدنا الاقتصادي بعد سنوات طويلة من المحاولات و الوعود و الآمال و الكد و المعاناة.

 ولنأخذ مثلا مؤشر متوسط دخل الفرد.

 

كان متوسط دخل الفرد عام 1985 قرابة 1000 دولار وبلغ  في عامي  2004/2005 1200 دولار/سنة تقريبا

وهذا يعنى أن دخل الفرد الحقيقي لم يزيد سوى 20%  منذ عام  1985. ومازالت مصر تحتل المرتبة 127 في العالم و تصنف في الشريحة العليا لأفقر بلدان العالم أو في قاع الشريحة الَُُُُُسفلى للبلدان المتوسطة الدخل.

 

و الحقيقة المريرة  أيضا أن دخل الفرد قد تدهور كثيرا  في السنوات الماضية  متوسط دخل الفرد من 1570 دولار عام 2000  ثم انكمش إلى حوالي 1200 دولار عام 2005،    مما يدل بصراحة و وضوح على فشل الحلول و الوعود التي لدى الحكومة وأنها غير قادرة على تحقيق آمال الجماهير.

 

وحقيقة أخرى أليما أيها الإخوة و الأخوات أنه حتى الآن ولم يطرأ نمو حقيقي في دخل الفرد منذ عام 1987-1988- فقد كان دخل الفر د يزيد على 2100 دولار  عام 1987 قبل مزبحة شركات توظيف الأموال.

 

ألفجوة في الدخول

 

 تعالو الآن نستعرض مؤشر آخر و هو مؤشر فجوة الدخل بين الفرد في مصر و الدول المتقدمة. كانت هذه الفجوة 4 آلاف دولار تقريبا عام 1970 وأصبحت الآن أكثر من 25 ألف دولار. وهذه الفجوة في مستوي المعيشة بين مصر و الدول المتقدمة تزداد اتساعا بشكل مخيف مع كل دقة ساعة ونبضة قلب. والحقيقة الأليمة أن الفجوة ستصل إلى أكثر من 55 ألف دولار عام 2045.

فعلا سبيل المثال  كان متوسط دخل الفرد في الولايات المتحدة سنة 1985 17 ألف دولا، وأصبح  اليوم أكثر من 42 ألف دولار،

ومع ذلك إذا أضفنا أيضا  تركيبة توزيع هذا الدخل في المجتمع  والخلل الكبير بين دخول الأغنياء و الفقراء  في مصر، سنجد أن هناك 16- 20% من السكان على الأقل يعيشون تحت الخط الأحمر للفقر بالمقاييس العالمية.

 

انهيار الاقتصاد المصري في 1989

 

حقيقة أخرى يجب أن يعرفها الجيل الجديد ليدرك أننا قادرون على تحقيق معدلات تعادل وتفوق ما حققته دول جنوب شرق أسيا. أيها الأخوة و الأخوات لقد كان متوسط معدل التنمية في مصر خلال السبعينات 9,5 % حين كانت روح العاشر من رمضان مازالت متوهجة في صدور الأمة وكانت هذه المعدلات تفوق معدلات النمو في جنوب شرق أسيا. أما الصين فلم تكن قد بدأت برنامجها الاقتصادي بعد. وأدى الانفتاح الاقتصادي و ظاهرة شركات توظيف الأموال في الثمانينات إلى استمرار الانتعاش الاقتصادي حتى نهاي الثمانينات.   كما حقق القطاع الصناعي أعلى نمو له حتى بلغ 16% سنويا.   و يلاحظ أن أعلى دخل للفرد كان في أواخر الثمانينات حين حقق الإنتاج القومي أعلى رقم له عندما وصلت إنتاجية المصانع و المزارع الجديدة إلى أعلي معدلات إنتاجية لها . وكان هذا النجاح بالرغم من تفشي ظاهرة الشراء و الإسراف بعد عقدين من التقشف والحرمان.

ثم جاءت النكسة الاقتصادية الكبرى بانهيار شركات توظيف الأموال وانهار معها الاقتصاد المصري فشهدت السنوات التالية منذ عام 1988 و حتى منتصف التسعينات تدنى مطرد في الدخل القومي وتزايد الأسعار وانخفاض في دخل الفرد الحقيقي أدى إلى دخول مصر إلى حظيرة البلدان الفقيرة منذ بداية التسعينات وحتى مطلع القرن الواحد و العشرين.

 

و الخطأ الثاني في معالجة ظاهرة شركات توظيف الأموال أن الحكومة لجأت في ذلك الوقت إلى رفع سعر الفائدة حتى و صل إلى 18% وذلك  لتشجيع التحويلات من الدولار إلى الجنيه. وبالرغم من نجاح هذه السياسة المالية في زيادة احطياطي الدولة من الدولار، إلا إنها أدت إلى تدهور و انكماش الاستثمارات الصناعية و إفلاس أعداد ضخمة من المصانع و المزارع التي أنشأت في فترة الانفتاح. و عجزت الصناعة عن المنافسة في الأسواق العالمية وخروجها تماما من هذه الأسواق. وأدى ذلك أيضا إلى ارتفاع نسبة البطالة إلى مستوى رهيب، مما أدى إلى تدهور الأحوال الاجتماعية وظهور الأفكار المتطرفة وحوادث الإرهاب في مطلع التسعينات.

 

 

مقارنات

 

 في هذه الفترة، في العشرين سنة الماضية، حققت  الصين والعديد من بلاد جنوب شرق أسيا متوسط معدلات تنمية من 8.5 إلى  12.5%، فتمكنت الصين من استغلال ثروتها البشرية الهائلة ( ربع سكان العالم ) في إحداث طفرات في التنمية منذ بدء برنامجها الاقتصادي في بداية الثمانينات .

 واستطاعت ماليزيا  مثلا وكوريا  في نفس الفترة أن تخرجا من حظيرة البلاد المتخلفة وتصبحا قوى أقتصادية لا يستهان بها.

وكان متوسط دخل الفرد في الصين عام 1985 280 دولار و الأن أصبح أكثر من 2000 دولار بعني تضاعف 7 مرات. وكان دخل الفرد في مصر عام 1985 997 دولار  وفي عام 2005/2004  وصل إلى 1200حوالي  دولار  يعني زاد 20% فقط في 20 سنة  طبقا لأرقام صندوق النقد الدولي.  

 

و الحقيقيو أنه منذ 1990 حتى الآن كان متوسط النمو في الدخل القومي  2.9% و ولكن الخبراء يقدرون أن تحقيق معدل نمو 6% هو الحد الأدنى المطلوب لفتح فرص عمل جديدة للشباب الذين ينضمون سنويا إلى سوق العمل (800000). و لكنها لا تعطي حلا قريبا أو بعيدا لمواجهة الفجوة التي تتسع يوما بعد يوم بيننا وبين الدول المتقدمة.

 

 

 

HDI   دليل التنمية البشرية

 

أيها الأخوة والأخوات سنعرض الآن مؤشر آخر من مؤشرات التنمية. خبراء التنمية يقولون إن دخل افرد ليس مقياسا لمستوى معيشة الفرد إنما المقياس لابد أن يأخذ في الإعتبار التعليم والخدمات الصحية. وعملوا مؤشر جديد أسمه دليل التنمية البشرية. و مرة أخرى يدل هذا المؤشر بوضوح إن ما يحصل عليه الفرد يماثل  ما يأخذه فرد في بلد آخر له نصف الدخل في مصر. وهذا دليل آخر يوضح عدم الكفاءة في توصيل الخدمات للمواطنين.

 

وعندما نذكر التعليم لابد أن نتحدث أيضا عن نسبة الأمية في مصر . فعلي الرغم مما ادعته الحكومات المتعاقبة  من جهود منذ عام 1952 وحتى الآن، فما زالت مشكلة الأمية باقية. حتى أن بعض المفكرين يشك في أن استمرار الأمية في مصر قرار سياسي. فنسبة الأمية طبقا لإحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بحوالي 29% و هي من أعلى النسب في العالم، و هذه النسبة تمثل 12.5 مليون مواطن و مواطنة من شريحة القوة العاملة في مصر. وينقسم هذا العدد الهائل بين الجنسين إلي حوالي 37% من الذكور و63% من الإناث. أن ذكرت المصدر هنا وهو مصدر حكومي بالرغم من أن كثير من المصادر الدواية تقدر نسبة الأمية في مصر بين 35% 43%.

  والحقيقة أن محو الأمية ليس فقط ضرورة إساسية للنهضة الشاملة وحتمية حضارية، و لكن لأن ترك الأمية باقية في مجتمعنا جريمة اجتماعية نشترك فيها جميعا نحن المثقفون وكل من نال حظا من التعليم في حق الملايين من الرجال و النساء ممن حرموا من نور التعليم لننعم نحن بنور المعرفة. نحن نرى أن محو الأمية بالسرعة المطلوبة لتحقيق التنمية الشاملة يجب أن يكون مهمة قومية، تعبأ لها الطاقات المادية و المعنوية للأمة، ويساهم فيها جميع أفراد المجتمع بين تعليم وتعلم.

 

 

Transparency  الشفافية

 

وهناك مؤشر آخر لا يقل أهمية عن مؤشر التنمية البشرية، وهو  مؤشر الشفافية وهو مقياس للفساد وغموض  واختلال المعايير الأدارية و الإجراءات الحكومية بجانب معدلات الرشاوي وفضائح استغلال المال العام.  و طبقا للدراسات التي قامو بها وجدوا أن هناك علاقة وثيقة بين الفقر و انتشار الفساد، ( بينما القرآن يخبرنا منذ أكثر من 14 قرن

الجن (آية:16): "والو استقاموا على الطريقه لاسقيناهم ماء غدقا" 

الاعراف (آية:96): ولو ان اهل القرى امنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ولكن كذبوا فاخذناهم بما كانوا يكسبون "

وطبقا لهذا المقياس تعطى كل دولة درجة من صفرإلى عشرة ، ودرجة الرسوب من خمسة، يعني اللي بتاخد  خمسة و أقل من الدول  دليل  على انتشار الفساد المحلي في هذه البلد. وطبقا لهذا المقياس فقد حصلت مصر في عام 2006 على 3.3  علما و جاءت في المرتبة 70.  ومرة أخرى حولنا نرجع لمؤشر الشفافية للسنوات الماضية و الحقيقة إنه  في خلال السنوات القلية الماضية إزداد هذا المؤشر هبوطا مما يدل مرة أخرى على عدم وجود جدية من الحكومة لمواجهة سرطان الفساد المتفشى في بلدنا الصابر.

الحقيقة أيها الأخوة و الأخوات أن رائحة الفساد قد فاحت خارج مصر وتسببت في نفور الأستثمارات الأجنبية و العربية من الإتجاه إلى مصر بالرغم من توافر الكفاءات و المميزات الجغرافية و المناخية لمصر. وسنتطرق لهذا الموضوع بالتفصيل في لقاءات قادمة إنشاء الله.

 

و يمكننا أن نقضي ساعات طويلة في استعراض مظاهر كثيرة للتراجع والتخلف الذى أصابنا منذ 1990 حتى الآن، على الناحية السياسية و الدولية و في التعليم و البحث العلمي و القدرة العسكرية و التصدير و الخدمات الصحية و الإنتاج الصناعي.

 

التحدي و المعركة

 

نعود مرة أخرى إلى الفجوة بين دخل الفرد في مصر و دخل الفرد في البلاد المتقدمة..

 

فإذا كان دخل الفرد في أحد البلاد الصناعية المتقدمة هو 20.000 دولار سنويا ويزداد بمعدل 2.5% فهذا يعنى أن دخله زاد بمقدار 500 دولار عند نهاية العام. أما في مصر فإذا افترضنا أن دخله 1200 دولار سنويا ومعدل نمو دخله السنوي هو 6% فهذا يعنى أن دخله قد زاد 72 دولار فقط، وأن الفجوة بين دخله ودخل قرينه في البلد المتقدم قد ازدادت اتساعا، و ليس هناك أية أمل قريبا أو بعيدا في إغلاقها. و إذا حدث أي تذبذب في الاقتصاد العالمي أو في الأسعار العالمية للغذاء مثلا حيث يمثل الغذاء 45-35% من مصروفات الفرد في مصر فستعصف بالتأكيد بأبناء هذا البلد . أما الأجيال القادمة فسيكون الوضع أسوأ بكثير لأن الفجوة في الدخل ستكون تضاعفت. وستصل إلى أكثر من 55 ألف دولار بحلول عام 2045 .

 

و على النقيض من ذلك إذا استطعنا تحقيق معدلات تنمية من10-12 % فسيمكننا أن نغلق الفجوة تماما و نلحق بموكب الدول المتقدمة في حوالي 30 سنة.

 

فمن الواضح أنه ليس إمامنا خيار ألا أن نحقق معدلات تنمية بين 10-12%. أنه تحدى ضخم ولكن ليس مستحيلا. إما أن نورث أبنائنا الفقر و الذل و إما أن نترك لهم عزة و كرامة ومكانة بين الأمم. إما أن نستعين بالله ونقبل التحدي ونخوض معركة التخلف كما حملت هذه الأمة مسؤوليتها التاريخية إمام التتار وإمام الصليبيين وإما أن نترك بلدنا ومقدراتنا في ريح عاصف وبحر لجي من فوقه ظلام ومن تحته ظلام.

وفي  السنوات القليلة الماضية استطاعت دول نامية في أوربا الشرقية وفي أمريكا اللاتينية أن تحقق معدلات نامية أكثر من 10% سنويا ، على سبيل المثال

 تشاد 14,5% ِ، أرمينيا 12,3 %، كازاكستان 10.1%، طبقا لإحصائيات صندوق البنك الدولي لعام 2007

 

واسمحوا لي أيه الأخوة أن أكرر مرة أخرى للشباب الذين لم يسمعوا ولم يروا منذ ولادتهم سوى فشل و نكسات وتخبط وإحباط،، هذا الشباب لا يعرف أنهم أشبال و أنه حان الوقت لتسمع الدنيا كلها زئيرهم. كان متوسط معدل التنمية في مصر خلال السبعينات 9,5 % حين كانت روح العاشر من رمضان مازالت متوهجة في صدور الأمة وكانت هذه المعدلات تفوق معدلات النمو في جنوب شرق أسيا. و استطاع شعبنا العريق أن يضاعف دخل الفرد من حوالي 500 دولار سنويا في عام 1977 إلى أكثر من 2100 دولار سنويا عام 1987، فاستطاع أن يحقق معجزة اقتصادية بمضاعفة إنتاجه القومي أكثر من 400% في أقل من عشر سنوات. هذا أيها  ألأخوة قبل أن تبدأ الصين في برنامجها الاقتصادي.

 

هدفنــــا 

أن التغيير يمثل تحديات حضارية، لا يمكن مواجهتها إلا بإحداث طفرة كبيرة في جميع المجالات.

إن هدف شعبنا الصابر ليس مجرد تغيير أفراد ووزارات وحكومات، ولكن هدفنا أن نخرج من حظيرة البلدان المتخلفة ونلحق بركب الدول الصناعية المتقدمة.

 

هدفنا أن نتحول من ظلام الأمية وذل التخلف إلي بلد يمسك بزمام التقدم العلمي، ومن بلد مستورد ومستهلك للمنتجات التكنولوجية إلي بلد مصنع لها ومبدع لها. هدفنا بالمفهوم الاقتصادي الضيق هو مضاعفة الإنتاج القومي كل 5 سنوات علي الأكثر. أما الهدف الشامل فهو تحقيق طفرة اقتصادية واجتماعية وأخلاقية شاملة تفجر طاقات البشر وتستغل الموارد الاقتصادية، ليصل المجتمع إلي أعلي مستوي من الرخاء الاجتماعي والحريات الفردية والعدالة الاجتماعية والقيم الأخلاقية، في جو من التنافس البناء الذي يمكن للمواطن أن يعطي أقصي طاقاته ويجني ثماره ويعمر أرضه ويحافظ علي بيئته ويقدس قيمه الروحية والثقافية العريقة.

 

إن الإدارة الناجحة ليست هي التي تأخذ علي عاتقها فقط إيجاد المأكل والملبس للأفراد، ولكنها تنظر إلى كل مواطن كثروة قومية فتوفر له المناخ المناسب ليستثمر طاقاته  ومواهبه لخدمة بلده. و تتعدي هذا وتفجر طاقات العطاء وملكات الإبداع المكنونة في مواطنيها.

 

إن الشعب الذي يتطلع أن يحمل لواء الحضارة ويقود البشرية لا يمكن أن يكون مطبوعا علي الذل والتبعية والتقليد، ومقتول الإبداع والتفكير. إن حمل لواء الحضارة يعني بالضرورة أن يكون الإنسان حرا قادرا علي العطاء، وأن يكون قادرا علي استغلال كل طاقاته ومواهبه لخدمة بلده. والشعب الذي لا ينتج ما يأكل، ولا يصنع ما يلبس، مكسور القلم ومربوط اللسان  ولا يستطيع أن يدافع عن نفسه، ويترك عصمته في يد عدوه، ليس له مكان إلا ظلمات الفقر والخوف والذل والهوان.

 

إن النهضة الشاملة لا يمكن أن تحدث إلا إذا أصبح كل فرد جنديا لها يعمل لها ويدعو لها ويدافع عنها ولا يرضي بديلا لها، إنها قضية مصيرية وحتمية تاريخية ومسئولية أمام الله عز وجل.. إنها قضية مستقبل أجيال.. قضية وجود أمة واستمرارها.

 

إن النهضة الشاملة تتطلب بالضرورة تشجيع القطاع الخاص ورجال الأعمال علي مضاعفة أعمالهم وزيادة قدراتهم و التجمع إن أمكن لتكوين شركات ضخمة قادرة علي المنافسة في الأسواق العالمية، كما تتطلب أيضا تجميع الأفراد تحت مظلات اجتماعية ضخمة ومؤسسات اجتماعية كبيرة، كالنقابات والاتحادات والجمعيات الخيرية، فتستطيع هذه المؤسسات الضخمة أن توفر رعاية وحماية وخدمات شاملة لأفراد المجتمع وتحدث الاتزان الاجتماعي المطلوب أثناء عملية التنمية. والنهضة الشاملة تتطلب أيضا وجود نظام سياسي متجدد ومتعدد الأقطاب يحمي عملية التنمية، مراقبا لها ودافعا لها، والنهضة الشاملة تتطلب أيضا وجود قضاء مستقل وحازم وسريع ينصف المظلوم مهما صغرت مظلمته     ويقتص من الظالم مهما علت منزلته.

.

 

ختام

 

فعلينا أيها الإخوة و الأخوات أن نذكر أنفسنا دائما أن هذه المنطقة قد حملت لواء الحضارة آلاف السنين ولفترات طويلة متصلة لم تشهد مثلها أي منطقة أخري في العالم ولم يسقط منها لواء الحضارة إلا في لحظات قليلة من عمر الشعوب، غفوات قصيرة ربما لتلتقط أنفاسها وتراجع حساباتها لتستأنف المسير من جديد. وكانت هذه المنطقة أيضا مهدا للأديان السماوية التي أضاءت للبشرية طريقها عبر رحلة الزمان بالقيم الأخلاقية الفاضلة والقيم الروحية السامية.

 

علينا أن نذكر أنفسنا أن شعبنا العريق تحمل دائما مسؤولية المنطقة كلها في مواجهة التحديات التاريخية التي واجهت المنطقة، فكان قد تحمل ببسالة منقطعة النظير المسؤولية المادية والعسكرية في مواجهة التتار والصليبيين.

 

علينا أن نتذكر دائما أنه منذ سنوات قريبة اكتشفت هذه الأمة طاقاتها حين استطاعت في 6 سنوات فقط أن تحول هزيمة 1967 المؤلمة إلي نصر مؤزر في عام،1973

 

وعلينا أن نتذكر دائما ونذكر أنفسنا  أن شعبنا العريق استطاع أن يحقق معجزة اقتصادية بمضاعفة إنتاجه القومي أكثر من 400% في أقل من عشر سنوات في الفترة من 1977 إلى 1987 ،  حين كانت روح العاشر من رمضان مازالت متوهجة في صدور أبناء وطننا العريق.

 

علينا أن ندرك فداحة المسؤولية والتحدي الذي أمامنا، ونؤمن بضرورة التغيير وبحتمية النهضة الشاملة فنستنفر الهمم ونرفع السواعد ونعبئ كل الطاقات لمواجهة هذا التحدي الحضاري الخطير.

 

إن المعركة المقبلة للقضاء علي التخلف التكنولوجي وتحطيم حواجز الأمية والفقر تحتاج إلي تعبئة طاقات الأمة للمضي في هذه المعركة الضروس بسواعد 6 أكتوبر وإيمان العاشر من رمضان.

و السلام عليكم ورحمة الله.