اللقاء الرابع

أسس ومبادئ النهضة والتنمية

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الأخوة والأخوات أبناء وطننا الحبيب، أيها الأخوة والأخوات أبناء وطننا العريق،

السلام عليكم ورحمة الله


مرحبا بكم في لقائنا الرابع لنضع معا الأسس و المبادئ التي يجب أن تقوم عليها نهضتنا الشاملة لنخرج من عار التخلف ومصيدة الفقر وذل التبعية ونعيد مكاننا الريادي الذي كتبه التاريخ لنا.

وحددنا في لقائنا السابق هدفنا القومي السامي الذي تجتمع عليه الأمة، وهو هدف كل مواطن مخلص مهما اختلفت الانتماءات الحزبية وتعددت المذاهب الدينية وتباينت الثقافات وبعدت المسافات، هدفنا الشامل فهو تحقيق طفرة اقتصادية و اجتماعية و أخلاقية شاملة تفجر طاقات البشر و تستغل الموارد الاقتصادية ليصل المجتمع إلى أعلى مستوى من الرخاء الاجتماعي و الحريات السياسية و العدالة الاجتماعية و القيم الأخلاقية ، في جو من التنافس البناء الذي يمكن للمواطن أن يعطى أقصى طاقاته و يجنى ثماره و يعمر أرضه و يحافظ على بيئته و يقدس قيمه الروحية و الثقافية العريقة .

مبادئ التغيير و التنمية
وهناك مبادئ وأسس هامة لابد أن تقوم عليها نهضتنا وهي مستمدة من تاريخنا العريق ومن التجارب الناجحة للأمم الأخرى وهي مقومات لابد من توافرها لإحداث الطفرة المطلوبة:

المبدأ الأول: الإنسان الحر هو الوسيلة الرئيسية لعملية التنمية، وهو في الوقت ذاته غايتها. علينا أن ندرك أن أهم وأكبر ثروة في بلدنا الحبيب هي ثروتنا البشرية. فالإنسان هو أهم ثروة في المجتمع وهو المحرك الأساسي للنشاط الاقتصادي وهو أهم منتج له ومنتج له. فعملية التنمية كي تتحقق على ارض الواقع لابد أن تبدأ من الأصل أو من القاعدة، أي من الإنسان و تنتهي في كل مرحلة من مراحلها المستمرة والمتصاعدة بالإنسان وللإنسان، أي من أجل الإنسان. والمقياس الحقيقي لنجاح برامج التنمية هو ما أنجزته للإنسان من تنمية بشرية بكل أشكالها من تعليم وتدريب ورعاية صحية وحرية اقتصادية وسياسية ورخاء اقتصادي وقيم خلقية. والحقيقة انه لا يمكن تحقيق التنمية الصحيحة للفرد والوصول إلى الاستفادة الكاملة لمهاراته وطاقاته بدون أن يكون متمتعا بالحرية في فكره ووفي ممارسة وطنيته. فالإنسان المظلوم والمقهور والمغلوب على أمره لا يقدر حقيقة على شيء. ولهذا الغرض فعلى الدستور الجديد والنظام الجديد أن يضمن للإنسان ليس فقط حرية المعاش وحرية السعي فحسب، ولكنه يحتاج أيضا إلى حرية الرأي والتعبير وحرية الكتابة والتفكير في حدود ثوابت المجتمع، وحرية الاختيار السياسي والاقتصادي مع ضمان توافر البدائل للاختيار.
و قد أجمعت نظريات التنمية الاقتصادية الحديثة أن مقياس التقدم ليس بما يحققه مجتمع ما من إنتاج أو دخل إنما يقاس بما حققته الحركة الاقتصادية من فلاح الأفراد و رفاهيتهم و سعادتهم. وقد ذكرنا في اللقاءات السابقة مقياس التنمية البشرية على سبيل المثال.

و إذا نظرنا إلى تاريخ النهضة الأوربية حقيقة نجد أن إنجلترا مثلا تحولت من إمارات صغيرة طحنتها الحروب و الظلم و الاستبداد إلى دولة عظمة غزت شرق العالم و غربه عندما تبلورت لديها حريات الإنسان و أصبح لديها نظام قضائي يخضع له الملك قبل المملوك . وكذلك الوضع في فرنسا، فكانت الثورة الفرنسية و إعلان وثيقة حقوق الإنسان هي نقطة التحول في تاريخ فرنسا الحديث. أما في تاريخ أمريكا، فقد بدأت نقطة التحول بوضع تصور لحقوق الإنسان والضمانات المطلوبة للحريات، فوضع الدستور الأمريكي متضمنا وثيقة الحريات ليرسم النظام السياسي للمجتمع الذي يحقق و يضمن الحريات المطلوبة. فكان الهدف من النظام السياسي واضحا ، و هو تحقيق وضمان الحريات المطلوبة . و مازالت تقاس القوانين و التشريعات ونجاح أي حكومة بمدى ما تحقق من هذه الحريات. فالخطوة الأولى كانت هي بلورة وثيقة الحريات المطلوبة، ثم أتى الدستور ليضع تصورا لنظام قوميا يضمن هذه الحريات . ثم تأتى القوانين و ما يليها من تشريعات و لوائح و قرارات تصب في اتجاه واحد و في انسجام وتناسق و استقطاب لترسم منظومة المجتمع الأمريكي. فأصبحت هذه الحريات و مبادئ الدستور من العلم الضروري الذي يحفظه كل صغير و كبير. و أصبحت الممارسة الصحيحة طبقا لهذا لعلم الضروري حتما لازما لضمان نجاح هذا النظام. وعندما بدأ النظام الأمريكي في تشريع قوانين استثنائية بعد أحداث 11 سبتمبر، حدث خلل كبير و تخبط في منظومة المجتمع الأمريكي، و نادا الكثير من المفكرين الأمريكيين بسرعة إلغاء هذه القوانين الاستثنائية لإنقاذ منظومة المجتمع الأمريكي من التهاوي والانهيار.

وإذا نظرنا إلى المنهج الرباني لبناء الحضارة الإسلامية نجد أن الله عز وجل عندما أراد أن يعد أمة لتقود المجتمع البشرى، أرسل الآيات القرآنية أولا تدعوا لإخراج الناس من عبودية العباد إلى عبودية رب العباد. وعندما شرع فرائضه دعا الناس ليكونوا أحرارا طائعين مأجورين وليسوا عبيدا مسخرين. لأن الله يعلم أن العبد المسخر المقهور لا يمكن أن يكون داعيا أو قائدا، ولا يمكن بالتالي أن يقيم دولة لها عزة وكرامة، تحرر البشرية من عبودية العباد وتنشر العدل و الفضيلة بين الأمم. ثم إنه حرص علي أن يكون الفاصل واضحا بين الدعوة والداعي، بين المنهج والمنفذ، بين النظام والقيادة.
فكان من عظمة الإسلام أن أول ما أرسخه في المسلمين حقوق الإنسان. و أجمل ما جاء به هو تنظيم حرية الفرد و حقوق الفرد و حقوق المجتمع في سلام وانسجام واتزان، أعجز علماء الاجتماع و الخبراء في صيغته حتى الآن، فتاهت و تخبطت المجتمعات في الوصول إلى معايير ثابتة تحقق الاتزان الاجتماعي المطلوب. و كان من العلم الضروري الذي يتلقاه المسلم منذ طفولته المبكرة :

1-لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
2- لا إكراه في الدين .
3- إن الله يأمركم أن تؤدو الأمانات إلى أهلها و إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل .
4- لا ضرر و لا ضرار.
5- كلوا واشربوا ولا تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين .
6-و أمرهم شورى بينهم .
7-لعن الله الراشي و المرتشي.
8- من غشنا فليس منا.
9- وتعاونوا على البر و التقوى و لا تتعاونوا على الإثم و العدوان.
10- و لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين .
11- من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته
12-من رأى منك منكرا فليغيره بيده فمن لم يستطع فبلسانه فمن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان.

وكانت هذه المبادئ وغيرها من المبادئ السامية هي العلم الضروري الذي يحفظه كل مواطن منذ طفولته، فيراقب ويقيس ويصحح سلوكه ونشاط المجتمع بأسره من حوله بكل صبر وإصرار.
فالإنسان وفقا لهذا المنهج الرباني هو بحق الوسيلة الرئيسية لعملية التنمية، وهو المسئول عنها، وهو في الوقت ذاته غايتها.

ولقد أثبتت التجارب التي مرت بها شعوب المنطقة في القرن الماضي أن فرض أساليب للتنمية تهمل أو تتعارض مع التاريخ الثقافي و القيم الروحية لمجتمعاتنا، أثبتت فشلها تماما في تعبئة طاقات الشعوب لمواجهة التحدي الحضاري، بل على العكس أدت إلى خلق تناقضات خطيرة وردود فعل وظهور تيارات دينية متطرفة وصراعات أهدرت الطاقات وأسالت الدماء و ملأت السجون و المعتقلات.

إن إيماننا بالله يضيف إلى ذخيرة الأمة طاقة روحية عظيمة لا يمكن قياسها بالمقاييس المادية وهذه الطاقة الروحية تتفاعل مع الطاقة المادية للأمة فترفع من كفاءتها وتضاعف إنتاجيتها.
وإيماننا بالله أيها الأخوة يضيف إلى منظومة المجتمع وقوانينه المادية نظام جديد للمراقبة و المراجعة غير موجودة في جميع النظم المادية أسمه المحاسبة الذاتية. نظام يسمو بالمجتمع فوق مستوى كل ما يفرض عليه من نظم وضعية لمحاسبته ومراقبة أدائه.
و الأيمان بالله يفجر روح العطاء والسخاء والعمل التطوعي والتكافل الاجتماعي ولا يوجد نظام مادي يستطيع إقناع الناس بضرورة العمل بدون مقابل أو يستطيع إقناع الناس بألسخاء في دفع الضرائب.

ولهذا أيها ألإخوة إن أهم سمة لنهضتنا هو إيمان لا يتزعزع بالله وبرسله، ورسالاته القدسية التي بعثها بالحق والهدى إلى الإنسان في كل زمان ومكان.

المبدأ الثاني: هو أن الإصلاح لا يتجزأ، فالإصلاح يجب إن يكون شاملا، قضائيا و اجتماعيا و اقتصاديا و سياسيا، فأي محاولة للإصلاح في جهة واحدة ستبوء بالفشل، و ربما بنتائج عكسية إذ لم يصاحبها إصلاح مماثل في الجهات الأخرى. فالإصلاح الاقتصادي وحده مع إغفال الجانب الاجتماعي سيؤدى حتما إلى نتائج خطيرة عكسية في المجتمع تهدد بفشل الإصلاح نفسه وتخلق تناقضات و صراعات اجتماعية خطيرة. والإصلاح الدستوري جزء لا يتجزأ من التغيير الشامل والإصلاح الشامل. علينا أن نعي تماما أن التغيير ليس مجرد تغيير نص أو أكثر في الدستور، إن ما نعنيه بالتغيير هو رسم الطريق لنهضة شاملة وولادة جديدة لمصر القرن الواحد والعشرين. فتعديل الدستور ليس شعارات ترفع وليس مناورات سياسية ومكاسب فردية، وليس أحد المسرحيات التهريجية السياسية، ولكنه مهمة تاريخية لرسم مستقبل لأمة، إنها قضية ملايين طحنهم الفقر وأنهكهم المرض، قضية أمة عريقة تخلفت وقضية أمة أبية زلت وتذللت، إنها قضية مصيرية ومسئولية تاريخية وضرورة حتمية لإنقاذ أمتنا وأبنائنا من ذل التخلف وعار الجهل ودوامة الفقر ومستنقع التبعية. إننا نناشد المسئولين والذين يتصدون لصياغة الدستور الجديد أن يتقوا الله في أبناء وأحفاد هذه الأمة، إنها مسئولية أمام الله وإمام التاريخ، فإما أن نورث أبنائنا الفقر والذل والتبعية وإما أن نترك لهم العزة والكرامة والمكانة المرموقة بين الأمم.

المبدأ الثالث: تأكيد وتفعيل دور المنظمات غير الحكومية كالنقابات والجمعيات الخيرية باعتبارها من أهم آليات النظام الجديد في إحداث التوازن الاجتماعي وخاصة في فترات التغيرات السريعة المتوقعة، فهي تعمل على تجميع الأفراد تحت مظلات اجتماعية كبيرة لحمايتهم ورفع المستوى الاجتماعي والمهني لهم، وتستفيد من طاقات الشباب المعطلة وتبعث روح العطاء والعمل التطوعي. ويجب أن يفتح الدستور الجديد الطريق لهذه التكتلات الشعبية للمشاركة أيضا في القرار السياسي والتشريعي الذي يمكن أن يؤثر بطريق مباشر أو غير مباشر في منسوبيها وفي تأثيرها الاجتماعي. الحقيقة أيها الأخوة أن كثير من هذه المنظمات تعتمد أساسا عل العمل التطوعي فتزيد من تفاعل الفرد مع مجتمعه وإحساسه بالمسئولية وتحول المواطنين من السلبية إلى الإيجابية ومن اللامبالاة إلى الاكتراث والاهتمام، وتخرج الفرد من محيط نفسه الضيق إلى محيط أمته الواسع. وهناك قضايا كثيرة ممكن أن تقوم هذه المنظمات بتقديمها. الموضوع كبير ويستحق لقاء منفصل، ولكن باختصار نحن بحاجة إلى تفعيل منظمات حقوق الإنسان ومنظمات لحماية البيئة ومنظمات حماية المستهلك وحماية المريض ومنظمات لمكافحة الأمية ولتأهيل الشباب العاطل ولمساعدة الشباب على الزواج ولحل المشاكل الأسرية ومكافحة الإدمان وحتى لحماية الحيوان. وتفعيل دور النقابات و الاتحادات لتقديم الخدمات الاجتماعية و التدريبية والقانونية لمنسوبيها. وهذه المنظمات هي الصورة الجديدة للأمر بالمعرف اللي حافظ على مجتمعاتنا مئات السنين، { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (آل عمران104) ، فهي آلية هامة للتصحيح الذاتي في المجتمع وإيجاد التوازن الاجتماعي وحماية الضعفاء وضمان وصول الخدمات لمستحقيها.
سأحكي لكم قصة عن تجربة شخصية كنت في فترة من الفترات بوصل ولادي لمدرسة في الهرم وكنا نمشي في طريق بجوار مصرف والطريق يمر على قرية وبجوار القرية مصنع صباغة أو دباغة ولاحظت إنه يرمي كميات كبيرة من المواد الكيميائية و الملوثات في المصرف، و المصرف يستعمله أبناء القرية في غسيل الملابس و الحلل والعيال يلعبوا فيه والجواميس تستحما فيه إلى آخره. أنا كنت أسأل نفسي وبحرقة ونقم فين الحكومة توقف هذه المهزلة وطبع لم أفعل أي شيء. ومرت الأيام وكنت مقيم في الخارج وصادف أن أحد المصانع في منطقة قريبة تسرب منه بعض المواد الكيميائية. فوجئت بسكان المنطقة اتصلا فورا ببعض و عملوا اجتماع، وصوروا الحادثة واتصلوا بجمعيات حماية البيئة واتصلوا بمحطات التلفزيون. وقامت جمعية حماية البيئة بعمل تحقيق ورفعت قضية بتعويض كبير جدا لسكان المنطقة سواء المتضرر مباشر أو غير مباشر. ولو تركوا الموضوع للحكومة كان الموضوع انتهى بغرامة تافهة يدفعها المصنع للحكومة.
القصة بتورينا بوضوح الأسلوب السلبي اللى إحنا متعودين عليه والأسلوب الإيجابي الذي يجب أن نقوم به. فعلينا أن نكون نغير من أسلوب حياتنا ونتحول من السلبية إلى الإيجابية ونتعاون جميعا في إيجاد حلول للمشاكل الكثيرة التي تواجه شعبنا بصبر وإصرار حتى نحقق آمالنا.

المبدأ الرابع: إن من سمات أي حضارة وجود قضاء عادل وحازم وسريع، يحمي الضعيف ويقتص للمظلوم و يأخذ بيد الظالم حتى يرجع عن ظلمه، فيردع الظالم وينشر الإحساس بالمسؤولية والمحاسبة والانضباط في شتى العلاقات والمعاملات في المجتمع. ولعل كلمة "حكومة" قد نشأت من "الحكم" بين الناس ، و ليس "التحكم" في الناس. وترجع أهمية النظام القضائي إلى أنه يضمن اتزان النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي. والقضاء عامل هام في زيادة كفاءة الأفراد والمؤسسات وتوجيه طاقات المجتمع إلى البناء بدلا من تبديدها في المشاكل، واستغلال موارده بدلا من تجميدها في المنازعات التي تؤدي في النهاية إلى خسارة لجميع الأطراف. ووجود قوانين واضحة ونظام قضائي سريع من أهم المؤشرات التي تأخذها رؤوس الأموال العالمية في الاعتبار عند تقييم المناخ الاستثماري للمناطق والبلاد حول العالم. ويجب أن ينص الدستور على الحد الأدنى لنسبة القضاة لعدد السكان ونسبة وتوزيع المحاكم الجزئية والابتدائية لعدد السكان وزيادة اعداد الكادر القضائي وتدريجها ليكون هناك قاضي لكل شارع وكل حي. وإنشاء محاكم مدنية متخصصة تتمشى مع تفرضه العلاقات الاقتصادية والاتفاقات الدولية المعقدة. وإعادة نظم المحاكم الشرعية ومحاكم أهل الذمة لتخفيف الضغط عن المحاكم المدنية، وتكوين مجالس للتصالح تعرض عليها القضايا المدنية قبل تحويلها إلى المحاكم.
ولكي تقوم السلطة القضائية بدورها المطلوب في إحداث الاتزان المطلوب لابد للدستور أن يضمن لها ضمانات الحماية والاستقلالية ويوفر لها الإمكانيات، وهذا ما سنعرضه بالتفصيل في المقالات القادمة إنشاء الله.

المبدأ الخامس: أن يكون هناك نظاما سياسيا متعدد الأقطاب يحمى عملية التنمية والتغيير ودافعا لها ومستمرا لا تتغير أهدافه واستراتيجياته بتغير الأفراد، مع تحقيق حالة من الاتزان والمراجعة بين سلطات هذه الأقطاب في الدولة، و وجود نظاما للمراقبة والمحاسبة متبادلا بين الشعب ومؤسساته وبين الحكومة بشتى مؤسساتها. إن الهدف أساسا من التطوير السياسي المقترح هو تحسين أداء الدولة عموما كنظام سياسي وإداري بتقسيم العمل والتخصصات بما يحقق المصلحة القومية. وضمان اتزان بين مركزية الحكومة المطلوبة لعمل المشروعات القومية واللامركزية للمحليات باعتبار أن المحليات أكفأ وأكثر فعالية في توصيل الخدمات للمواطنين. وخلق مناخ للتفريخ المستمر للقيادات الجديدة لتبقى أمتنا شابة تجدد دمائها بقيادات جديدة فتختار خير أبنائها وتعدهم لتولي قيادتها بحماس جديد وعلم متجدد يتمشى مع التعقيد المتزايد في المصالح الاقتصادية والعلاقات السياسية.
وعندما تم صياغة الدستور الحالي في إثناء حرب الاستنزاف سنة 1971 كان هدف الأمة واحدا ومحددا وهو إزالة أثار عدوان 1967 . وكان لابد من صياغة الدستور لإعطاء رئيس الجمهورية صلاحيات استثنائيات تمكنه من تعبئة الإمكانيات اللازمة لاتخاذ قرار الحرب.
وربما كان مقبولا أيضا في هذا الوقت في مثل هذه الظروف أن تحجم المؤسسات التشريعية والرقابية لضمان السرية التامة لهذا القرار الخطير. وتنازلت مؤسسات الدولة وتنازل أبناء الوطن طواعية عن كثير من حقوقهم المشروعة تحت شعار"لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" بالرغم من المشاكل الكثيرة والمبادئ البالية التي ورثها دستور 1971 من الدستور السابق، دستور 1964 المؤقت، إلا إن دستور 1971 كان مناسبا للمهمة التي صيغ من أجلها. وبعد انتهاء حالة الحرب وتوقيع اتفاقية كامب ديفد أصبح دستورنا بلا هدف، ونتج عن ذلك عشوائية في القرارات وتخبط في القوانين وشلل كبير في الحياة الديمقراطية وتركيز سلطات كبيرة في أفراد معدودة مع ضعف شديد في فاعلية المؤسسات الرقابية ومركزية عقيمة. وأصبحت المؤسسات الحكومية والغير حكومية عاجزة عن أن تساير التغييرات الكثيرة والسريعة التي تمر بها أمتنا وغير مؤهلة لمواجه تحديات التنمية وتحقيق الآمال المنشودة لأمتنا. وبدون وجود الهدف القومي السامي ووضوحه على مستوى الفرد والجماعة والمؤسسات المختلفة سوف تتزايد العشوائية الاجتماعية وتتبدد الجهود وتكثر الأهواء، وتصبح المحصلة صفرا في جميع الاتجاهات. فمهمة الدستور الجديد إذا هي وضع هيكل لمنظومة الدولة الحديثة لإحداث هذه الطفرة التاريخية المنشودة لبناء مصر القرن الواحد والعشرين.

مراجعة لعناصر الخطبة

هذه هي الأسس و المحاور التي يجب أن تقوم عليها نهضتنا وحركة أمتنا ونحن نستجمع قوانا لنشق طريقنا بصبر وإصرار ومثابرة حتى نصل إلى غايتنا ونستعيد مكانة أمتنا.

خمس محاور للتنمية
المبدأ الأول: الإنسان الحر هو الوسيلة الرئيسية لعملية التنمية، وهو في الوقت ذاته غايتها

المبدأ الثاني: هو أن الإصلاح لا يتجزأ، فالإصلاح يجب إن يكون شاملا، قضائيا و اجتماعيا و اقتصاديا و سياسيا،
المبدأ الثالث: تأكيد وتفعيل دور المنظمات غير الحكومية
المبدأ الرابع: وجود قضاء عادل وحازم وسريع،
المبدأ الخامس: الإصلاح السياسي و الدستوري بأن يكون هناك نظاما سياسيا متعدد الأقطاب يحمى عملية التنمية والتغيير ودافعا لها ومستمرا لا تتغير أهدافه واستراتيجياته بتغير الأفراد، مع تحقيق حالة من الاتزان والمراجعة بين سلطات هذه الأقطاب في الدولة، و وجود نظاما للمراقبة والمحاسبة متبادلا بين الشعب ومؤسساته من ناحية وبين الحكومة بشتى مؤسساتها من الجهة الأخرى.


وأخيرا نترككم جميعا في حفظ الله ورعايته وأن يهدينا جميعا إلى الخير و الحق


و السلام عليكم ورحمة الله
د. مصطفى الشافعي