السلطة القضائية

 

إن من أهم دعائم التنمية وجود قضاء عادل وحازم وسريع، يحمي الضعيف ويقتص للمظلوم مهما صغرت مطلبته، و يأخذ على يد الظالم مهما علت منزلته. وتحقيق العدالة يتطلب ما يلي:

أ- توعية الفرد بحقوقه وكيفية الحصول على حقه من خلال القنوات القضائية.

ب- سرعة البت في القضايا.

ج- القدرة علي تنفيذ الأحكام و توصيل الحقوق إلى أصحابها في أقل وقت ممكن

 د- تدعيم استقلالية القضاء.

 و لعل كلمة "حكومة" قد نشأت من "الحكم" بين الناس ، و ليس "التحكم" في الناس. وترجع أهمية النظام القضائي إلى أنه يضمن اتزان النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي وخاصة في أوقات التغييرات السريعة المتوقعة. والقضاء عامل هام في زيادة كفاءة الأفراد والمؤسسات وتوجيه طاقات المجتمع وموارده إلى البناء بدلا من تبديدها في المشاكل والمنازعات التي تؤدي في النهاية في أغلب الحالات إلى خسارة جميع الأطراف. ووجود قوانين واضحة ونظام قضائي سريع من أهم المؤشرات التي تأخذها رؤوس الأموال العالمية في الاعتبار عند تقييم المناخ الاستثماري للمناطق و البلاد حول العالم.

وفيما عدا حالات قليلة مشبوهة، يتمتع القضاة في مصر عموما بثقة كبيرة بين أفراد الشعب.

وقد نصت المادة ( 64 ) من الدستور على أن سيادة القانون أساس الحكم في الدولة. كما نصت المادة ( 65 ) منه على أن تخضع الدولة للقانون، واستقلال القضاء وحضانته ضمانان أساسيان لحماية الحقوق والحريات، ونصت المادة ( 166 ) كذلك على أن القضاة مستقلون ولا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأية سلطة التدخل في القضايا أو في شؤون العدالة.

 

 مشاكل السلطة القضائية[1]

وفيما يلي عرض مختصر لبعض معوقات النظام القضائي:

1- إن قانون السلطة القضائية يجعل النيابة العامة تابعة لوزير العدل، الأمر الذي يفتح الباب لإمكان تحكم السلطة التنفيذية في مسار التحقيقات، في الوقت ذاته فإن وزير العدل هو المسئول عن التفتيش القضائي، الذي يراقب أعمال القضاة ويحاسبهم، ويوقع الجزاءات التأديبية عليهم، وهو الذي يسهم في تعيين رؤساء المحاكم الابتدائية، وهؤلاء تفوضهم الجمعيات العمومية في تشكيل الدوائر، وذلك ـ كله ـ يعني أن السلطة التنفيذية ـ من خلال وزير العدل ـ أصبحت لها اليد الطولي في ممارسات السلطة القضائية.

2- بالرغم من أن الدستور الحالي يتضمن نصوصا أساسية بمبادئ سيادة القانون واستقلال القضاء وحصانته، إلا أن الحكومات المتعاقبة لم تتوقف عن إدخال تعديلات في القوانين المنظمة للسلطة القضائية وغيرها بما يجرد النصوص الدستورية من مضمونها تماما، بل ويخالفها بنصوص صريحة  لحساب السلطة التنفيذية. كما تسند بها بعض اختصاصات القضاء الطبيعي إلى غيره، وتصدر قرارات وتصرفات من خلال وزارة العدل، وهي أحد فروع السلطة التنفيذية، تسيطر بها على إرادة رجال السلطة القضائية وشؤونهم بل وأحكامهم القضائية.

واستطاع الاستبداد عن طريق التلاعب بالدساتير والقوانين، وإعادة صياغتها بما يلائم أهواءها ويلبي مطالبها، علي النحو الذي يروق له، بحيث يمارس الاستبداد في ظل حماية الدستور والقوانين، فتقنن الاستبداد وتضفي عليه شرعية، بحيث يصبح رفضه أو مقاومته خروجاً علي الشرعية.

 3- التأخير الطويل في إصدار الأحكام( وهذا ظلم متراكم على المظلوم). فتقول إحصائية أجريت في إحدى المحاكم الجزئية أن متوسط عمر القضية في القضايا المدنية أو التجارية 672 يوما. و في القضايا التجارية التي تتطلب خبيرا 990 يوما. ونحن نعتقد من خبراتنا الشخصية إن هذا المتوسط أكبر بكثير إذا أدخلنا المحكمة الدستورية العليا ومحكمة القيم في الحسبان و إذا أضفنا إلى ذلك إمكانية الاستئناف و الطعن في القضايا وهي أمور شائعة الآن، فسنجد أن من السهل مد القضايا إلى سنوات طويلة (من 10 إلي 14 عام) يضيع فيها حق المظلوم ويستمتع فيها الظالم، و ربما مات خلالها المظلوم محصورا، أو مات الظالم وضاع حق المظلوم إلى يوم القيامة. و قد أدى ذلك إلى عزوف الضعفاء و عامة الشعب عن اللجوء إلى المحاكم، و انتشار الشعور باليأس والإحباط. وقد ينتج عن ذلك أيضا انتشار الفوضى، فيلجأ البعض إلى استخدام القوة الجبرية الفردية وطرق غير رسمية للحصول على الحقوق، أو للاستيلاء على حقوق الآخرين، كانتقام من الظلم الواقع عليهم.

 4-  عدم وجود محاكم جزئية متخصصة للنظر في شكاوى المواطنين تجاه تعسف السلطة أو سوء استخدام السلطة للنظر مثلا في تظلمات مخالفات المرور و الغرامات وتعديات أفراد الشرطة  وحالات إساءة المعاملة وسوء الخدمات والأضرار الناشئة عن الإهمال وغيرها.

 5- ازدياد تعقيد الحياة والعلاقات بين الأفراد والمؤسسات والعلاقات التجارية والاقتصادية والسياسية يتطلب وجود كوادر قضائية متخصصة والتوسع في المحاكم المتخصصة.

 6- عدم كفاءة النظام الإداري المساعد للقضاة وقلة عدد القضاة والمحاكم بالمقارنة بعدد السكان.

 7- مع أن السلطة القضائية تتمتع باستقلالية عالية نسبيا إلا أن هناك تأثيرا واضحا و متزايدا للسلطة التنفيذية. فمثلا المجلس الأعلى للقضاء يرئسه رئيس الجمهورية ( المادة 173)، ورئيس المحكمة الدستورية يعين بواسطة الرئيس.  

 8- تبعية المحاكم الإدارية التي تنظر في دعاوى القطاع الخاص ضد الحكومة إلى الوزير المختص تمثل خللا خطيرا في أبسط مبادئ العدل.

 9- تحويل بعض قضايا أمن الدولة إلى القضاء العسكري بالرغم من وجود محاكم أمن الدولة يعتبر تعديا صارخا على صلاحيات السلطة القضائية مع عدم وجود حالة حرب تبرر مثل هذا القرار.

 10- وضع الدستور ( المواد 165-179) القواعد العامة لتنظيم السلطة القضائية، ولكن ترك الكثير منها غامضا ليتم تحديده في القوانين. ويجب إعادة صياغتها لتأكيد بعض المبادئ العامة التي تضمن استقلال هذه السلطة، وبحيث لا يمكن تغييرها بقانون تحت ضغوط من السلطة التنفيذية في أي وقت من الأوقات.

 11- استند النظام الحاكم إلى المادة 170 من الدستور (التي تنص على" أن يسهم الشعب في إقامة العدالة في الحدود المبينة في القانون") لكي يقيم محاكم لا يمكن أن تتصف بالصفة القضائية لأنها تضم عناصر لم تتخصص في العمل القضائي ولم تدرس القانون، ولا تتمتع بالاستقلال، فأنشئت محاكم  تضم عددا مماثلا للقضاة من الشخصيات العامة التي تعينهم السلطة التنفيذية.

 12-  تضارب القوانين نتيجة تراكم أجيال مختلفة من القوانين. فهناك بنود في القوانين التي أصدرت مؤخرا تتعارض مع قوانين سابقة لم تلغ.

 13- تضارب تقارير الخبراء في القضايا التجارية.

 14- جهل عامة الشعب بالنظام القضائي وحقوقهم المدنية.

 15- حصانة الوزراء من خلال انضمامهم لمجلس الشورى.

 16- تقاصع الحكومة في التنفيذ الجبري للأحكام القضائية.

 

برنامج تطوير النظام القضائي

  1- إنشاء كوادر متخصصة من القضاة و خاصة في المجالات التجارية و الطبية و الحقوق الفكرية وتوسيع قاعدة المحاكم المتخصصة.

 2-  زيادة عدد القضاة بما يتناسب مع تعداد السكان وزيادة أعداد المحاكم الجزئية و الابتدائية.

 3- إعادة نظم المحاكم الشرعية و محاكم أهل الذمة لتخفيف الضغط عن المحاكم المدنية ويحق للأطراف اللجوء إليها إذا ارتضى كلا الطرفين بذلك.

 4- دراسة إمكانية تكوين مجالس للتصالح للفصل بين الناس بناء على التراضي في النزاعات البسيطة لتفادي توصيلها للمحاكم. وهذا يتطلب إنشاء كادر مؤهل للبت في مثل هذه المنازعات. 

 5- تعيين القضاة بناء على ترشيح المجلس الأعلى للقضاء.

 6- رئيس المجلس الأعلى للقضاء يرشحه القضاة وليس رئيس الجمهورية،  و رئيس المحكمة الدستورية العليا يرشح من المجلس الأعلى للقضاء ويوافق عليه مجلس الشعب

 7- لا يجوز إصدار قوانين تمس السلطة القضائية إلا بموافقة المجلس الأعلى للقضاء والمجلس الأعلى للإفتاء. و يتم تعيين وزير العدل من 3 أسماء من السلك القضائي يضعها المجلس الأعلى للقضاء، و ينتهي تعيينه عند أقرب تغيير وزاري، و يجوز إعادة تعيينه إذا أعاد ترشيحه المجلس الأعلى للقضاء.

 8- نشر الوعي القضائي و التعريف بحقوق المواطنين و واجبا تهم المدنية.

 9- تطوير و تحديث القوانين التجارية، و قوانين حماية أسرار الصناعة، و العلامات التجارية، و الممتلكات الفكرية، و حقوق الطباعة، و براءات الاختراع، لتتمشى مع القواعد المعمول بها في البلدان المتقدمة.

 10- عمل قواعد ثابتة لتقييم أداء القضاة وترقيتهم وتنقلاتهم  ينظمها المجلس الأعلى للقضاء.

 11- إعادة النظر في القوانين المنظمة لوزارة العدل و الدور المتوقع منها بحيث لا تتداخل اختصاصاتها مع استقلالية القضاة ويقتصر دورها على الإشراف الإداري و المالي على المحاكم و اتخاذ التدابير اللازمة التي من شأنها ضمان المستوى اللائق بمرافق العدالة في الدولة، ودراسة و تنفيذ ما يرد إليها من مجلس القضاء الأعلى من مقترحات و قرارات.

 راجع الدستور الحالي المواد رقم 86-90.

 


 

[1] هذا الباب يحتوي على مقتطفات من مقالات لمفكرين نشرت على الإنترنت