كوارث السكك الحديدية في مصر

 

د. مصطفى الشافعي

 

     تعد السكك الحديدية المصرية من أقدم الخطوط في العالم، وكان الخط الحديدي بين الإسكندرية وكفر الزيات عام 1854 هو الخط الثاني في العالم بعد الخط الإنجليزي. ثم استكمل خط القاهرة الإسكندرية 1856 وهو الخط الأول في القارة الإفريقية والوطن العربي. واستمر الحماس لإدخال خطوط السكك الحديدية حتى تم توصيل الخطوط الحديدية إلى مدينة أسيوط في عام 1874 بعد نجاح خطوط السكك الحديدية بين السويس والقاهرة والإسكندرية. وفي عام 1872 تم مد خط سكك حديدية بين القاهرة وحلوان. ووصلت خطوط السكك الحديدية إلى مدينة الأقصر في عام 1898، ثم مدت الخطوط الحديدية إلى وادي حلفا في السودان عام 1926. وهذا التاريخ المشرف نجده محفورا في كتب ومتاحف تاريخ السكك الحديدية في العالم.

ومقابل هذا التاريخ المشرف نفجع ونتحسر على ما آلت إليه هيئة السكك الحديدية وقطاراتها وخطوط تشغيلها وكل ركن فيها من سوء وإهمال ووقوع كوارث القطارات وسقوط الضحايا بالمئات بين قتلي وجرحي. والحقيقة أن هذا المرفق الهام هو من أهم الشرايين في جسد أي بلد وكفاءة تشغيله ترتبط ارتباطا وثيقا بالحركة الاقتصادية في البلد. وما أصاب هذا المرفق من جمود وتخلف إنما يعكس بحق حالة الجمود والتخلف الذي استشرى في قطاعات كثيرة في المجتمع ولا يمثل إلا واحدة من عشرات المشكلات التي يعاني منها المصريون الآن.

أن المشكلة ليست ترك هيئة السكك الحديدية دون تطوير وتحديث علي امتداد أكثر من ٢٥ عاماً. بل أن المشكلة الحقيقية هي جمود فكر القيادة  وغياب الرؤية المستقبلية وعدم القدرة على التفكير الاستراتيجي وعشوائية القرارات، وعجز القيادة على الاستفادة من ثروتنا البشرية الهائلة وفشلها في تفجير طاقات العطاء والإبداع المكنونة في أبنائها،  فصار الجمود والتخلف والفساد سرطان يدمر مظاهر الحياة في بلدنا المنكوب.

ولنضرب مثال على ذلك هو حال خطوط السكك الحديدية في الهند والصين حتى لا يأتي البعض بحجة الزيادة الكبيرة في عدد السكان. وهذه الأرقام منقولة من تقرير للبنك الدولي صدر في مارس 2005 عن تطور قطاع السكك الحديدية في هذين البلدين في الفترة من 1992-2002.

فقد استطاعت الصين أن تزيد من قدرة هذه الخطوط مرتين ونصف ( يعني 250% ) في هذه الفترة ورفعت إنتاجية العاملين بهذا القطاع 90%  (مقابل 69% في الهند). حتى ساهم هذا القطاع في زيادة الدخل القومي بنسبة 2% ، وزادت أطوال الخطوط الحديدية بنسبة 24% وزادت نسبة الخطوط المزدوجة 69% والخطوط المكهربة 48%.  ويمثل هذا القطاع 14.5% من حركة نقل البضائع في الصين و30% من حركة نقل البضائع في الهند مقابل 7% فقط في مصر. ويضاف إلى ذلك أن هذا التطوير تم أغلبه بجهود ذاتية. وأقتصر الاعتماد على الخبرات العالمية لغرض نقل التكنولوجيا ولتوطين الصناعات اللازمة لهذا المرفق الحيوي.  وبعد ذلك أصبحت الصين قادرة على أن تصدر خبرتها إلى البلدان المتخلفة والتي تصر على التخلف من أمثالنا. والحقيقة أيها الأخوة أن التطور في قطاع السكك الحديدية في الصين ليس ظاهرة استثنائية في أحد مرافق الصين ولكنه ارتبط بحركة منظومة للتطوير الشامل في كافة القطاعات ولرفع مستوى المعيشة، فاستطاعت تخفيض نسبة الفقراء من 40% إلى أقل من 7% في نفس الفترة.

فليست إقالة رئيس هيئة السكك الحديدية  المصرية هي الحل، لأن المشكلة أولا وأخيرا هي منظومة الحكومة والقيادة العاجزة عن التخطيط والتي تجيد استعمال المسكنات والتصريحات المخدرة، وتعجز عن ابتكار الحلول الشاملة  وتصر على البقاء في الحكم رغم الفشل المزمن وتتعامى عما تلحقه بمصر من أذى وأضرار.

ونعود مرة أخرى إلى السكك الحديدية. إذا كانت تصريحات المسئولين صادقة عن وجود نية لتوفير 1.5 مليار دولار لتطوير هذا القطاع، فهو رقم يمكن أن يؤدي إلى تغيير كبير إذا حسن استغلاله ونجاه الله من طواغيت الفساد. فعلى سبيل المثال هناك الكثير من الجرارات يمكن تحديثها بتكلفة قليلة بتغيير نظم التحكم من النظم الميكانيكية إلى النظم الالكترونية،  وهناك العديد من الشركات تبيع حلول جاهزة وقليلة التكاليف. ومن الممكن توطين هذه التكنولوجية في أقل من سنتين. وقد علمنا أن شركة كندية قد قامت بدراسة لتحديث 200 جرار للهيئة بالفعل عام 2003 بتمويل من صندوق التنمية الكويتي.

ومشروعات تحديث الإشارات والتحويلات يمكن أن تتم بخطة مدروسة من خلال شركات مشتركة يشترط عليها زيادة نصيب الجهود الذاتية (زيادة القيمة المضافة محليا تدريجيا)  سنويا حتى نتحول من الاستيراد إلى الاكتفاء الذاتي ثم إلى التصدير إلى العالم العربي ودول أفريقيا. ويجب أن تكون هناك توجيهات وتشريعات واضحة لتفضيل المنتجات التي لها أعلى نسبة تصنيع أو قيمة مضافة محلية. 

أما تطوير الورش والصيانة فهذا يتطلب أولا تحديث ألإدارة وإعادة تدريب العاملين على كافة المستويات ثم تحديث الماكينات وعمل خطة لإدخال الصناعات المغذية المطلوبة ليتم صناعة عربات البضائع وعربات الركاب كما كانت تصنع في ورش الهيئة سابقا. ويجب تفعيل نظم تشبه المطبقة في النقل الجوي مثل مراجعة القطارات قبل انطلاقها للتأكد من أن كل الأنظمة تعمل على أكمل وجه. و تزويد القطارات بأجهزة اتصال للتخاطب مع بعضها ومع نقاط السيطرة والتحكم المحلية و المركزية. ولا يجب إهمال التدريب المستمر والجاد للمهندسين والسائقين ومساعديهم وإعطائهم الراحات الضرورية لتمكينهم من العمل بأمان.

 

وإذا كنا نسعى حقا لتقليل التكدس السكاني حول النيل فيجب وضع خطة مستقبلية لمد السكك الحديدية إلى المناطق النائية ويشمل ذلك ربط واحة سيوة بالواحات البحرية والوادي الجديد إلى واحة الفرافرة والواحات الخارجة، وجنوبا إلى منطقة توشكا ومنطقة العوينات لاستغلال الثروات والإمكانيات الزراعية المعطلة في هذه المناطق، وجنوبا إلى وادي حلفا إلى السودان الشقيق لتسهيل نقل منتجاتنا إلى أفريقيا. وفي منطقة سيناء شمالا إلى العريش وغزة وجنوبا إلى شرم الشيخ وشرقا إلى طابا ونويبع.  ويجب استغلال إمكانيات القوات المسلحة الكبيرة لمد هذه الخطوط وتطوير الطرق الموازية، ومن المتوقع أن تكون قادرة على إضافة ما لا يقل عن250 كم سنويا وبأقل تكلفة. (التكلفة العالمية لإضافة 1000 كم حوالي 3 مليار دولار). ومن الممكن أيضا الاستفادة من إمكانيات المصانع الحربية لتجميع وإنتاج المعدات الثقيلة اللازمة لهذا المشروع الحضاري الهام.

والعمل على إنشاء خط سريع (160-250 كم/ساعة)  بين القاهرة والإسكندرية ومرسى مطروح ( ويستكمل إلى المغرب العربي) وآخر إلى الأقصر وأسوان وثالث إلى السويس والغردقة. وربط المدن الجديدة بشبكات السكك الحديدية المكهربة ويتم ذلك بمشاركة القطاع الخاص. وتشجيعه لتوطين الخبرات وتصديرها إلى البلاد العربية والإفريقية.

كما يجب عمل خطة لربط المدن الصناعية الحالية والمخطط لها بالموانئ والمطارات وزيادة نصيب السكك الحديدية في حركة نقل البضائع.

وجدير بالذكر أن حال السكك الحديدية ينطبق أيضا على حال الطرق، فحركة التطوير لا تتمشى مع زيادة السكان ولا توفي الاحتياجات المستقبلية لإحداث إي تطوير اقتصادي يخرجنا من دوامة التخلف و مستنقع الفقر.

ونكرر ونقول أن الفجوة الاقتصادية والحضارية بيننا وبين كثير من دول العالم تزداد اتساعا مع كل دقة ساعة ونبضة قلب. والاتساع المستمر في الفجوة بين الدخول في مصر تهدد باحتقان طبقي وغليان شعبي لم تشهده مصر من قبل.  فمن الواضح أنه ليس أمامنا خيار إلا أن نخطط لمضاعفة الدخل القومي كل خمس سنوات على الأكثر. أنه تحدى ضخم ولكن ليس مستحيلا. إن أمتنا لا ينقصها الموارد البشرية ولا الطبيعية لكي تنهض وتخرج من حالة التأخر والتخلف وتكسر ذل التبعية وتنطلق لتسترد مكانتها بين الأمم وتسترجع دورها الريادي الذي كتبه التاريخ لها، إن ما ينقصنا حقا هو العزيمة القوية والإخلاص، ثم التخطيط والعمل وأن نستعين بالله وهو حسبنا ونعم الوكيل.

علينا أن ندرك جميعا، حكومة وشعبا، حاكما، ومحكوما أن التغيير يعني بالضرورة أن نؤمن بحتمية التغيير وأن نكون صادقين مع أنفسنا ومع الله عز وجل، وأن ندرك أن التغيير ليس شعارات ترفع وليس مناورات سياسة ومكاسب فردية ولكنه قضية مصيرية ومسئولية تاريخية وضرورة حتمية لإنقاذ أمتنا وأبنائنا من ذل التخلف وعار الجهل ودوامة الفقر ومستنقع التبعية.

ولا يمكن أن يتحقق التغيير الشامل المطلوب إلا أن يؤمن كل فرد أن التغيير مسئوليته، وأنه جندي له، يدافع عنه ويساهم في إنجاحه ويراقب مسيرته.

فعلينا جميعا شعبا وحكاما أن نتبنى موازيين جديدة في قياس الأمور والمصالح، وأساليب جديدة في إدارة شؤوننا وفي طريقة اتخاذ القرار والتدريب المستمر لاكتساب مهارات جديدة، مع شغف وحرص على التطوير المتواصل لما نقوم به من أعمال. هذا هو الطريق للتغيير الذاتي.

علينا أن نعي تماما أن التغيير ليس مجرد تغيير نص أو أكثر في الدستور، إن ما نعنيه بالتغيير هو نهضة شاملة وولادة جديدة لمصر القرن الواحد والعشرين، إنها قضية مصيرية وحتمية تاريخية ومسئولية أمام الله عز وجل.. إنها قضية مستقبل أجيال.. قضية وجود أمة واستمرارها.