التنمية الاقتصادية

تنويع مصادر تمويل المشروعات

 

نستعرض هنا مزيد من آليات التنمية الاقتصادية، ولكن من المفيد   ومن المفيد أن نكرر هنا مرة أخرى أن التنمية يجب أن تكون شاملة. وعلى ذلك فالتنمية الاقتصادية يجب أن يصاحبها تطوير شامل للنظام القضائي وبخاصة فيما يتعلق بالمنازعات التجارية. هذا بجانب تطوير التعليم وغيرها من برامج التنمية البشرية. و سنركز في هذا الفصل على بعض الطرق للتغلب على مشاكل التمويل و توفير الاستثمار المحلى وجذب الاستثمارات الأجنبية.

 

أولا: التمويل الداخلي.  يجب وضع القواعد المنظمة لإنشاء وإدارة ورقابة المحافظ الاستثمارية

          Mutual Funds  و تنويعها باعتبارها أهم آليات تجميع المدخرات الصغيرة في أوعية استثمارية كبيرة ومتعددة المجالات ومتعددة في مستوى العائد والمجازفة، وتكون هذه الأموال متوافرة لشركات التمويل و البنوك وشركات المخاطرة       Venture Capital   بنسبة من رأس المال المدفوع في هذه الشركات.  و تشجيع الاستثمار المحلي الطويل الأجل بتنويع أشكال صناديق المعاشات الغير حكومية ونظم التأمين وصناديق الادخار. و تشجيع النقابات على إنشاء برامج إضافية للمعاشات والتأمينات والادخار بدرجات متفاوتة في المجازفة. و إعادة تنظيم أموال المعاشات والتأمينات الحكومية باستثمارها في الأوعية الادخارية والمحافظ الاستثمارية لضمان اكبر عائد لأموال المعاشات. و وضع التشريعات والقوانين الخاصة بشركات التمويل و شركات توظيف الأموال وشركات المخاطرة لما لها من أهمية في تسهيل إنشاء الشركات الجديدة و تبني الأفكار الجديدة و تحويلها إلى قالب تجاري بكفاءة عالية. و مراجعة القوانين المنظمة للشركات المساهمة لتنويع أشكالها وطرق إدارته. و تسهيل الإجراءات و القوانين الخاصة بفروع البنوك الأجنبية و البنوك الإسلامية. و عمل شبكة اتصالات موحدة بالبنوك، و تزويدها بالطرق الحديثة لمطابقة التوقيعات و التسوية الآلية للشيكات بين البنوك، وتنويع الخدمات المصرفية وتوفيرها عن طريق الانترنت، وإدخال الربط الآلي لحسابات العملاء بنظم برمجيات المحاسبة لدى الشركات.   وربط هذه الشبكة بالشبكات العالمية للبنوك لجعل مصر مركزا عالميا رئيسيا للمعاملات والخدمات البنكية والخدمات البنكية الالكترونية.

ابتكار و تبني معاملات مالية و محافظ وكروت الكترونية وإجراءات الكترونية لتسهيل التعامل التجاري عن طريق الانترنت لتحقيق طفرة سريعة في التصدير عن طريق الإنترنت. و يتطلب ذلك أيضا تبسيط إجراءات الشحن والتصدير وتوفيرها عن طريق الانترنت أو إلغائها للطرود التي تقل قيمتها عن 5000 جنيه مثلا.  و يجب أن تهتم الحكومة بعمل حضانات للشركات الناشئة وتضع نظاما لتأجير الأراضي الصناعية و الورش حتى لا تضطر المشروعات الناشئة إلى تجميد جزء كبير من رأسمالها في المباني و الإنشاءات و اللجوء إلى مصيدة القروض بدلا من تركيز إمكانياتها على الإنتاج و التوسع و المنافسة.  ويجب توفير ضمانات لقروض الشركات الناشئة وخاصة لشراء أدوات وماكينات الإنتاج بسبب إحجام البنوك عن مساعدة الشركات الناشئة.

ا 

مشاكل الديون المتعسرة

 

تعتبر مشاكل الشركات المتعسرة بسبب تراكم فوائد البنوك من أخطر المشاكل التي تسببت في تصفية مئات الشركات المنتجة أو تعجيزها بطريقة تمنعها من النمو والمنافسة والاستغلال الكامل لقدراتها الإنتاجية. والحقيقة الهامة أن تصفية أي شركة منتجة تحت وطأة الديون لا يخدم الأهداف القومية ولا يضمن للبنك الممول الحصول على مستحقاته. فالهدف من وراء الحلول المقترحة يجب أن يدور حول خلق ظروف جديدة للشركات المتعثرة الجادة تمكنها من توفيق أوضاعها وتحقيق النمو المطلوب والقدرة على المنافسة واستغلال كامل لقدراتها والمحافظة على وظائف العاملين بها. ويشمل ذلك الدعم الفني والإداري و المادي للشركات الجادة. في ضوء هذا الهدف يمكن وضع العديد من الاقتراحات،  منها مثلا وضع سقف للفوائد المتراكمة على الديون وهو نظام متبع في بعض البلدان الرأسمالية، ووضع قواعد معقولة لتحويل الديون إلى حصص في ملكية الشركات، وإنشاء صناديق لقروض بفوائد مخفضة لاستبدال الديون عالية الفوائد، وهناك أموال هائلة في العالم يمكن أن تساهم في هذا المجال بسبب انخفاض سعر الفائدة في البلاد المتقدمة إذا ما توافرت لها ضمانات معقولة. و تمكين الشركات المتعسرة من تجميد استحقاقات البنوك الدائنة لفترة محددة حتى تتمكن من توفيق أوضاعها. وهناك أيضا حلول من خلال بيع الأصول مثل المباني و ماكينات الإنتاج و إعادة استئجارها. ووضع اللوائح المنظمة التي تشجع البنوك على الدخول كشريك في حصص رأس المال لتقليل التعارض الطبيعي بين مصالح البنوك الدائنة والشركات المقترضة، وبحيث تستفيد الشركات من الخبرات والكفاءات الموجودة لدى البنوك، وليكون للبنوك مسؤولية أكبر في إنجاح هذه الشركات.

 ثانيا: البورصة المصرية:

تعتبر البورصة من أهم آليات الإنعاش الاقتصادي بما لها من قدرة على اجتذاب رؤوس الأموال الداخلية والخارجية على السواء.  و لكي تساهم البورصة في إنعاش الاقتصاد ولا تتحول إلى مضاربات لا تعود بقيمة حقيقية على الاقتصاد فلا يكفي فقط إعادة تنظيمها ولكن لابد من تنظيم آليات أخرى هامة تساهم في تشجيع وحماية صغار المستثمرين ولتوجيه الاستثمارات للتوسع الحقيقي للشركات المساهمة ولتشجيع إنشاء الشركات الجديدة. ويجب وضع القواعد المنظمة لضمان الشفافية للشركات المندرجة في البورصة والتعاملات المالية لمديري الشركات وأعضاء مجالس إدارتها وكبار المستثمرين بها ومراقبة الأخبار التي تسربها الشركات وضبط الأخبار الزائفة. وتسهيل إجراءات طلبات طرح أسهم جديدة للشركات القائمة للتوسع في الشركات وتنويع الأسهم المطروحة، وإجراءات دمج وتقسيم الأسهم، وإجراءات ضم وتقسيم الشركات، ووضع الإجراءات المنظمة لحركة رؤوس الأموال الأجنبية لمنع الهزات المفتعلة للبورصة ويجب الاستفادة من التجربة الصينية لحماية البورصة المصرية من المضاربين اللذين احترفوا الاكتساب من افتعال الهزات في سواق المال.

 

المناطق الحرة

 

من أهم آليات التطوير السريع هو اجتذاب الشركات التكنولوجية العالمية لإنشاء مراكز عالمية للتسويق والتصنيع والتطوير في المنطقة، لما تحققه من الفوائد الآتية:  

      أ) توفير فرص عمل بدخول مرتفعة.  ب) إنشاء كوادر بخبرات عالمية في مختلف المجالات.       ج) خلق صناعات مغذية للصناعات العالمية تؤدي في النهاية إلى توطين التكنولوجيات المتقدمة.      د) إنعاش الاقتصاد المحلى بما يقدمه من خدمات وسياحة.

ولكن المعادلة الصعبة أن اجتذاب هذه الشركات العالمية والاستثمارات الأجنبية يتطلب أيضا توافر بنية أساسية و خدمات و سهولة إجراءات وميزات اقتصادية وضرائبية تنافس مناطق كثيرة في العالم تتصارع لاجتذاب هذه الاستثمارات. و إذا لم يكن لدينا ميزات واضحة في كل هذه العوامل فسيكون من الصعب اجتذاب هذه الشركات العالمية، فتصبح الخسارة كبيرة. والمسلك المقترح لجذب هذه الشركات:  يخصص للمناطق الحرة مساحات ضخمة قريبة من الموانئ و المطارات و قريبة من مناطق لها ميزة سياحية و يتوافر حولها إسكان راق، مثل الساحل الشمالي، وعلى الدولة أن توفر طرق سريعة إليها طبقا للمواصفات العالمية، و خطوط قطارات تربطها بالموانئ وخطوط المترو السريعة لنقل العمالة منها واليها بكفاءة عالية.

و نظرا لما يحتاجه إنشاء هذه المناطق من استثمارات كبيرة لتوفير بنيتها التحتية لا تستطيع الدولة توفيرها إلا بالديون الخارجية، فالاقتراح هنا أن توضع البنية الأساسية لهذه المناطق في مناقصات عالمية مقابل امتياز استغلال المنطقة لمدد بين 10 سنوات إلى 25 سنة أو مقابل حصة مناسبة للدولة في ملكية الشركة المديرة للمنطقة و طبقا للعائد الاقتصادي المتوقع طبقا لدراسات الجدوى. و يجب دراسة إمكانية أن تقسم المناطق إلى أجزاء تعطى امتياز استغلالها لشركات مختلفة لضمان استمرار التنافس بينها تبعا لإستراتجية تنويع منابع الاستثمار. ومن المهم هنا أن نستفيد من النموذج الصيني ونموذج دبي في إنشاء و إدارة المناطق الحرة على المستوى العالمي وحتى لا تتكرر أخطائنا السابقة و ندرك جيدا التحديات المطلوبة لإنجاح هذه المشاريع. و يجب عمل برنامج إعلامي مكثف لتسويق مميزات المنطقة الحرة علي المستوي العالمي من حيث الموقع والمناخ و النظام الضرائبي وتوافر المرافق والخدمات وأسعارها وتوافر الأيدي العاملة وأسعارها والمميزات البيئية و السياحية في المناطق القريبة منها وتوافر الإسكان الراقي والطرق والمواصلات وشبكات الاتصالات.

 

خلق مناخ استثماري لجذب رؤوس الأموال العربية والأجنبية

 

علينا أن ندرك جيدا أن هناك عشرات المناطق في العالم تتنافس على اجتذاب المستثمرين،  ويتطلب ذلك خلق مناخ استثماري ينافس و يتفوق على مراكز جذب الاستثمارات العالمية.  ويتحقق هذا المناخ أولا بتبسيط الإجراءات و شفافية المعاملات، ونزاهة التعامل وعمل مراكز لتقديم جميع الخدمات المطلوبة للمستثمر، وإبراز الميزات النسبية لمناطق المشروعات الاستثمارية. وعمل حملات إعلامية عن الأداء العالي لهذه الخدمات والمميزات المتوافرة للمستثمر في مصر. وعلى الملاحق التجارية في السفارات المصرية أن تقوم بدور هام في تنظيم حملات الدعاية و الإعلان عن المناطق الصالحة لمشروعات الاستثمار بمصر من حيث الموقع والمناخ وتوافر الخدمات والمرافق وأسعارها وتوافر الأيدي العاملة وأسعارها والمميزات البيئية والسياحية في المناطق القريبة وتوافر الإسكان الراقي والطرق السريعة والمواصلات. وعمل مكاتب علاقات عامة تقدم خدمات خاصة للمستثمرين تقوم بتوضيح دور المستثمر ما له وما علية ( الإعفاءات والضرائب علي سبيل المثال ) وإزالة أي غموض قد يعوق فهم القوانين الخاصة باستثمار الأموال الأجنبية مما قد ينتج عنة نفور من إدخال هذه الأموال إلي مصر وهروبها إلي أسواق دولية أخري، وتسهيل الإجراءات القانونية والإدارية و إيجاد حلول لما قد يجده من مشاكل أو صعوبات. ودعوة رجال الأعمال لحضور مؤتمرات عن فرص الاستثمار بمصر. ومن المفيد أيضا أن تعمل الحكومة على تثبيت سعر صرف الجنيه لإعادة الثقة للمستثمر المحلي و الأجنبي تمكنه من عمل دراسات الجدوى لمشاريعه على أسس ثابتة كما فعلت الصين. 

ونظرا للطبيعة المختلفة لمصادر الاستثمار فنحن نقترح أن توجه الاستثمارات العربية أساسا إلى قطاع الإنشاءات و العقارات لعمل المجمعات التجارية الكبيرة و مباني الشركات العالمية و المشروعات السياحية. بينما توجه الاستثمارات الأجنبية إلى المناطق الحرة، أو للدخول مع رؤوس الأموال المحلية في مشروعات مشتركة لتصنيع المنتجات العالمية بغرض التصدير على أن يكون حصة التصدير لا تقل عن 50% مثلا.